Nepras ELSalam News

من أم إسماعيل إلى أم الدنيا

1

من أم إسماعيل إلى أم الدنيا

 

بقلم: أحمد مختار

 

ليست كل الدول سواء في سجل التاريخ، فهناك دول صنعت أحداثا، وهناك دول احتضنت حضارات، وهناك دول كانت مجرد مسرح للوقائع. أما مصر فشيء مختلف تماما؛ فهي من تلك البقاع النادرة التي لم تكن شاهدا على التاريخ فحسب، بل كانت جزءا من صناعة معناه.
حين نتأمل السردية الإسلامية الكبرى، نكتشف أن مصر لم تكن على هامش الأحداث، بل كانت حاضرة في قلب المشهد منذ اللحظات المؤسسة لواحدة من أعظم الرسالات التي عرفتها الإنسانية.

فعندما رفع إبراهيم عليه السلام القواعد من البيت الحرام، لم يكن يقف وحده، بل كان إلى جواره ابنه إسماعيل عليه السلام. ذلك الابن الذي ارتبط اسمه بتاريخ النبوة الخاتمة، والذي شاء الله أن تكون أمه هاجر مصرية. ومن هنا تبدأ الحكاية التي لا يلتفت إليها كثيرون؛ حكاية حضور مصر في قلب المشروع الإبراهيمي الذي تشكلت منه معالم العقيدة الإسلامية.

الكعبة التي يتجه إليها أكثر من مليار مسلم خمس مرات يوميا، ارتبط بناؤها بإبراهيم وإسماعيل، وإسماعيل هو الابن الذي حمل في عروقه إرث أمه المصرية. وليس المقصود هنا الحديث عن أنساب أو أعراق، وإنما الإشارة إلى أن مصر كانت حاضرة في لحظة التأسيس الكبرى التي تشكلت منها هوية الأمة.

ثم تأتي دعوة إبراهيم الخالدة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ}، وهي الدعوة التي تحققت ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكأن خيوط القدر تمتد من بناء البيت الحرام إلى ميلاد الرسالة الخاتمة، مرورا بإسماعيل وأمه هاجر، لتصبح مصر جزءا من هذه السلسلة المباركة الممتدة عبر الزمن.
وليس ذلك فحسب.

فالأضحية التي يحيي بها المسلمون شعيرة من أعظم شعائر الإسلام كل عام، ترتبط بقصة الفداء العظيم لإسماعيل عليه السلام. والسعي بين الصفا والمروة الذي لا يكتمل الحج إلا به، ما هو إلا تخليد لسعي أم تبحث عن الماء لطفلها في قلب الصحراء.
لقد تحولت خطوات هاجر إلى عبادة.
وتحولت معاناتها إلى شعيرة.
وتحول بحثها عن الحياة إلى درس خالد تتعلم منه البشرية معنى اليقين.

أما زمزم، ذلك الماء الذي لا يزال يروي قلوب المؤمنين قبل أن يروي أجسادهم، فقد ارتبط باسمها وحكمتها وحسن تدبيرها، عندما احتضنت الماء وحافظت عليه ليصبح معجزة ممتدة إلى يوم الدين.

ولذلك لم يكن غريبا أن تأتي الوصية النبوية بأهل مصر، فقد ارتبطت مصر في الوجدان الإسلامي بروابط تتجاوز الجغرافيا إلى التاريخ والرحم والمصاهرة، لتحتل مكانة خاصة داخل الوعي الإسلامي عبر العصور.

غير أن استدعاء هذه المعاني لا ينبغي أن يبقى حبيس صفحات التاريخ، بل يجب أن يتحول إلى وعي معاصر يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق دولة بهذا العمق الحضاري.

فالأمم العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها.
والحضارات لا تستمر بالذكريات فقط.
إنما تستمر حين تمتلك قيادة تعرف من أين جاءت، وأين تقف، وإلى أين تتجه.

ومن هنا تبرز فكرة القيادة الشاملة؛ قيادة تؤمن أن البناء ليس مجرد إنشاء طرق ومدن، بل بناء الإنسان قبل العمران. قيادة تدرك أن صناعة المستقبل تبدأ بفهم الماضي واستيعاب دروسه، وأن إدارة الحاضر تحتاج إلى وعي وحكمة وقدرة على التعامل مع عالم شديد التعقيد.
أما القوة، فهي ليست ترفا ولا استعراضا، بل ضرورة من ضرورات البقاء. فالدول التي لا تمتلك أسباب القوة تصبح رهينة لإرادة الآخرين، بينما الدول القادرة هي التي تحمي السلام لأنها تمتلك القدرة على حمايته.
ولهذا كانت الآية الكريمة واضحة وحاسمة: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.

إنها دعوة إلى امتلاك أدوات الردع والبناء معا، وإلى الجمع بين الحكمة والقدرة، وبين التنمية والحماية، وبين الحلم والقوة.

وهكذا تبدو مصر في صورتها الحقيقية؛ ليست مجرد دولة عريقة، بل مشروع حضاري ممتد عبر آلاف السنين. دولة مرت من هنا الرسالات، وتعاقبت على أرضها الحضارات، وارتبط اسمها بمحطات مفصلية في تاريخ الإنسانية.

ومن يفهم مصر جيدا، يدرك أن سرها الحقيقي ليس في موقعها ولا في عدد سكانها ولا في تاريخها وحده، بل في قدرتها الدائمة على تجديد نفسها، وعلى تحويل الإرث الحضاري إلى قوة تدفعها نحو المستقبل.
لهذا كانت مصر دائما أكبر من مجرد وطن.
كانت فكرة.
وكانت رسالة.
وستبقى، ما بقي التاريخ، إحدى العلامات الكبرى في مسيرة الإنسان على هذه الأرض.

 

من أم إسماعيل إلى أم الدنيا

Leave A Reply

Your email address will not be published.