حين ينضج القلب.. نكتشف أن السلام أثمن من كل شيء
بقلم: أبو يوسف محمد مجاهد
يعيش الإنسان بين الناس بقلبٍ سليم، ونفسٍ كريمة، يظن أن اللين يُقابل باللين، والإنصاف يُقابل بالإنصاف، وأن من يكفّ أذاه عن الآخرين سيجد منهم الاحترام وحسن المعاملة. لكنه، مع مرور الأيام، يكتشف أن الحياة لا تسير دائمًا بهذا الميزان، وأن الناس لا يردّون الجميل دائمًا بمثله.
يمضي حريصًا على ألّا يجرح أحدًا، فإذا به يحمل في قلبه جراحًا لم يتسبب بها. ويخشى أن يكون عبئًا على غيره، فإذا بالأعباء تُلقى فوق كتفيه. ويجتهد ليكون ملاذًا آمنًا لكل من حوله، لكنه حين يحتاج إلى الأمان، لا يجد من يحتوي تعبه أو يخفف عنه.
ومع ذلك، يبقى الأجمل فيه أنه لا يتقن القسوة، ولا يستطيع أن يغيّر طبيعته ليشبه من آذوه. فما كان حسن الخلق يومًا وسيلةً لتجنّب الأذى، بل كان جوهرًا يسكن النفس، وقيمةً لا تتغير بتغيّر الناس. فإن حماه خُلقه فذلك فضل، وإن تألم بسببه، بقي عزيز النفس، كريم الخُلق، ولم يخسر ذاته.
وربما كانت تلك التجارب هي التي تُنضج الإنسان وتعيد ترتيب أولوياته. ففي زمنٍ مضى، كنت أحمل داخلي رغباتٍ لا تنتهي، وأركض خلف أحلامٍ أكبر من قدرتي، وأيامٍ أوسع من واقعي. كنت أظن أن الامتلاء يكون بكثرة ما أملك، وأن الطمأنينة تنتظرني في نهاية الطريق، لا في خطواته الأولى.
لكن السعي المتواصل أثقل روحي، وأرهق قلبي، حتى أدركت أن أكثر ما أتعبني لم يكن قسوة الحياة وحدها، بل توقعاتي التي لم تكن تعرف حدودًا.
واليوم أقف بهدوءٍ لم أعرفه من قبل. أنظر إلى نفسي كما هي، لا كما كنت أريدها أن تكون، وأتقبلها بمحبة ورضا. لم أعد أبحث عن الكمال، ولا ألهث خلف كل ما يفوتني. يكفيني أن يمر يومي بسلام، وأن يهدأ رأسي من ضجيج الأفكار، وأن يطمئن قلبي بعد طول قلق.
أصبحت أكتفي بالقليل الذي يمنحني راحةً حقيقية، وأتعلم أن أترك ما لا أستطيع حمله دون شعور بالذنب أو الندم. لم أعد أريد أكثر من خطواتٍ ثابتة، وإن كانت بطيئة، ولا أرجو إلا طمأنينةً صادقة لا تهزها تقلبات الأيام.
فقد أدركت أخيرًا أن السعادة ليست في امتلاك كل شيء، ولا الراحة في الوصول إلى كل ما نطمح إليه، بل في أن نكتفي بما يمنح أرواحنا سلامًا، ويحفظ قلوبنا نقية، مهما تغيّر الناس وتبدّلت الحياة.
