من يرفع صوته يخفض عقله
بقلم: أحمد مختار
تأمل قليلا في آخر نقاش خضته. ليس مهما إن كان في العمل أو بين الأصدقاء أو داخل الأسرة أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي. تذكر كيف بدأ الحوار، وكيف انتهى، وما الذي بقي في نفسك بعده.
هل استمعت حقا لتفهم؟ أم كنت تنتظر دورك في الكلام فقط؟
هل حاولت الوصول إلى الحقيقة؟ أم حاولت إثبات أنك على حق؟
وهل خرجت من الحوار أكثر فهما؟ أم أكثر غضبا؟
هذه الأسئلة البسيطة تكشف لنا حقيقة مهمة جدا؛ فطريقة حديث الإنسان ليست مجرد كلمات تخرج من فمه، بل هي مرآة تعكس مستوى وعيه ونضجه وقدرته على فهم نفسه والآخرين.
ومن خلال مراقبة الناس في حياتنا اليومية سنجد أنهم غالبا ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: عاقل، وجاهل، وحكيم.
العاقل يسمع لينتفع، ويفهم ليقتنع، ويجيب لينفع.
والجاهل يجيب قبل أن يسمع، ويعارض قبل أن يفهم، ويحكم بما لا يعلم.
أما الحكيم فقد أدرك أن بعض الجدال لا يثمر إلا التعب، فتركه وارتفع.
وربما كانت المشكلة الحقيقية أن كثيرا منا يتنقل بين هذه المراتب دون أن يشعر.
نعم، قد تكون عاقلا اليوم، وجاهلا في موقف غدا، وحكيما في موقف آخر.
فالإنسان ليس لقبا ثابتا، بل حالة تتجدد مع كل موقف وكل حوار وكل اختبار.
العاقل لا يظن أنه يعرف كل شيء. بل على العكس، كلما ازداد علما ازداد يقينا بأن هناك أشياء كثيرة لا يعرفها. لذلك يستمع أكثر مما يتكلم. لا يخجل من مراجعة رأيه، ولا يعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة. لأنه يدرك أن الهدف من الحوار ليس الانتصار على الآخرين، بل الانتصار للحقيقة.
ولهذا تجد العاقل هادئا حتى عندما يختلف معك. لا يهاجم الأشخاص بل يناقش الأفكار. لا يبحث عن نقاط ضعف خصمه بل عن قوة الحجة. وإذا اقتنع بكلامك شكرك، لأنك أضفت إلى معرفته شيئا جديدا.
أما الجاهل فمشكلته ليست قلة المعلومات فقط، بل اعتقاده أنه لا يحتاج إلى المزيد منها.
إنه يدخل النقاش وقد أصدر الحكم مسبقا، فلا يسمع إلا ما يوافقه، ويرفض كل ما يخالفه. وإذا تحدث أحد قاطعه، وإذا ناقشه أحد اتهمه، وإذا عجز عن الرد رفع صوته ظنا منه أن ارتفاع النبرة يعوض ضعف الحجة.
ولعل أكثر ما يميز الجاهل أنه يخلط بين الثقة والعناد.
فالثقة أن تدافع عن رأيك وأنت مستعد لمراجعته إذا ظهر الصواب.
أما العناد فهو أن تتمسك برأيك حتى بعد أن يتضح خطؤه.
وكم من علاقة انكسرت، وكم من صداقة انتهت، وكم من فرصة ضاعت، ليس بسبب اختلاف الآراء، بل بسبب الإصرار على عدم الاستماع.
لكن هناك مرتبة أعلى وأهدأ وأعمق.
إنها مرتبة الحكيم.
والحكيم ليس بالضرورة أكثر الناس علما، لكنه غالبا أكثرهم فهما لطبيعة البشر.
لقد تعلم من الحياة أن ليس كل نقاش يستحق الدخول فيه.
وتعلم أن بعض العقول لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن الانتصار.
وتعلم أن هناك فرقا كبيرا بين من يسأل ليفهم، ومن يسأل ليجادل.
ولهذا فإن الحكيم لا يضيع عمره في كل معركة تعترض طريقه.
إنه يعرف أن الوقت أغلى من أن يهدره في جدال عقيم، وأن راحة النفس أثمن من أن يفرط فيها لإقناع شخص لا يريد الاقتناع أصلا.
ولهذا تراه أحيانا يبتسم ويسكت.
ليس لأنه لا يملك جوابا.
بل لأنه يملك من الحكمة ما يجعله يدرك أن بعض الإجابات لا تجد آذانا تسمعها.
وفي الحقيقة، فإن أكبر خطأ يقع فيه كثير من الناس هو اعتقادهم أن الصوت المرتفع دليل قوة.
بينما الواقع يقول العكس تماما.
فالحجة لا ترتفع بالصوت.
والفكرة لا تصبح صحيحة بالصراخ.
والحق لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت وجوده.
كم من شخص تكلم بهدوء فأقنع الجميع.
وكم من شخص صرخ كثيرا فلم يغير شيئا.
إن العقل الواثق لا يحتاج إلى أن يثبت نفسه بالصوت المرتفع.
أما العقل المضطرب فيحاول أن يغطي ضعف منطقه بضجيج كلماته.
ولهذا قيل إن من يرفع صوته ليسمع، قد يخفض عقله دون أن يشعر.
والأجمل من ذلك أن الإنسان حين يتعلم الإنصات يكتشف عالما جديدا.
يكتشف أن الناس تحمل تجارب مختلفة.
وأن الحقيقة أوسع من زاوية نظره.
وأن الاختلاف لا يعني العداء.
وأن احترام الرأي الآخر لا يعني الموافقة عليه.
وأن الإنسان يمكن أن يتعلم من مخالفيه أحيانا أكثر مما يتعلم من مؤيديه.
ولو نظر كل منا إلى نفسه بصدق لوجد أنه أخطأ يوما لأنه لم يستمع جيدا.
وحكم على شخص قبل أن يفهمه.
واعترض على فكرة قبل أن يمنحها فرصة عادلة.
ورفع صوته في لحظة كان يحتاج فيها إلى رفع مستوى تفكيره لا رفع نبرة حديثه.
لهذا فإن النضج الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي عشناها، ولا بعدد الشهادات التي حصلنا عليها، ولا بعدد الأشخاص الذين هزمناهم في النقاش.
النضج الحقيقي يقاس بقدرتنا على الاستماع، وعلى الفهم، وعلى مراجعة أنفسنا عندما نخطئ.
ويقاس أيضا بقدرتنا على معرفة متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نستمر في الحوار، ومتى نغادره بهدوء.
ففي النهاية، لن يتذكر الناس كم مرة انتصرت في جدال.
لكنهم سيتذكرون أخلاقك وأسلوبك واحترامك لهم.
وسيتذكرون أنك كنت شخصا يسمع قبل أن يحكم، ويفهم قبل أن يعارض، ويتكلم ليبني لا ليهدم.
لذلك، في المرة القادمة التي تجد نفسك وسط نقاش محتدم، توقف للحظة واسأل نفسك:
هل أنا الآن أتصرف كعاقل يبحث عن الفائدة؟
أم كجاهل يبحث عن الغلبة؟
أم كحكيم يعرف أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها؟
فالإجابة عن هذا السؤال قد تغير طريقة حديثك مع الناس… وربما تغير طريقة حياتك كلها.
