Nepras ELSalam News

زيارة تُعيد رسم الشراكة.. ماذا تجني مصر من التقارب الاستراتيجي مع الصين؟

3

زيارة تُعيد رسم الشراكة.. ماذا تجني مصر من التقارب الاستراتيجي مع الصين؟

 

بقلم: اللواء أ.ح محمد مجاهد

 

تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، وهي الأولى له منذ عشر سنوات، أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة بالنسبة إلى مصر، في ظل ما تشهده العلاقات المصرية-الصينية من تطور متسارع على مختلف المستويات.

وتأتي الزيارة بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، بما يمنحها دلالة سياسية خاصة، إلا أن الأهمية الأبرز للزيارة تتمثل في السعي إلى الانتقال بالعلاقات من مستوى التقارب السياسي والاستراتيجي إلى شراكة عملية تحقق مكاسب اقتصادية واستثمارية وتنموية ملموسة للجانبين، وتدعم جهود الدولة المصرية في تحقيق أهداف رؤية مصر 2030.

زيارة تُعيد رسم الشراكة.. ماذا تجني مصر من التقارب الاستراتيجي مع الصين؟

الاقتصاد والاستثمار.. من السوق إلى مركز صناعي إقليمي

يمثل الجانب الاقتصادي والاستثماري أحد أهم محاور الشراكة المصرية-الصينية، حيث تسعى القاهرة إلى الاستفادة من الخبرات والإمكانات الصينية في توطين الصناعات الثقيلة والتكنولوجية، بما يساعد مصر على الانتقال من كونها سوقًا رئيسية للمنتجات الصينية إلى مركز صناعي وإقليمي للإنتاج والتصدير.

 

وفي هذا السياق، شهدت الزيارة توقيع عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، من أبرزها مشروع إنشاء مجمع صناعي متكامل لإنتاج الإطارات بالتعاون مع مجموعة لينغ لونغ الصينية، باستثمارات تصل إلى ملياري دولار.

كما تجاوز عدد وثائق التعاون الموقعة خلال الزيارة 25 وثيقة، في مجالات اقتصادية وتنموية وتكنولوجية متعددة، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة بين البلدين.

وتستهدف هذه المشروعات والاتفاقيات زيادة حجم الاستثمارات الصينية في مصر، مع توقعات بوصولها إلى نحو 15 مليار دولار بنهاية عام 2026، مقارنة بنحو 12 مليار دولار بنهاية عام 2025.

وتبرز كذلك أهمية المواءمة بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية، إذ يتيح هذا التكامل فرصًا أكبر أمام مصر للاستفادة من موقعها الجغرافي، وتعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها محورًا مهمًا في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

قناة السويس.. بوابة للصناعة وسلاسل الإمداد العالمية

تحتل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس موقعًا محوريًا في التعاون المصري-الصيني، باعتبارها نقطة التقاء بين الممرات التجارية العالمية وفرص الاستثمار الصناعي.

وفي هذا الإطار، تضمنت الاتفاقيات الموقعة تعزيز التعاون بين الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والجانب الصيني، إلى جانب إطلاق المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية الصينية «تيدا»، بما يعزز فرص جذب المزيد من الشركات والاستثمارات الصينية إلى السوق المصرية.

ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على زيادة حجم الاستثمارات، وإنما تمتد إلى توطين الصناعة، وخلق فرص عمل، وزيادة الصادرات، ودعم قدرة الاقتصاد المصري على توفير احتياجاته من المنتجات الصناعية والتكنولوجية.

الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.. شراكة نحو المستقبل

لم تعد العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين مقتصرة على المشروعات التقليدية، بل امتدت بصورة واضحة إلى قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

وقد حظيت مجالات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأشباه الموصلات باهتمام متزايد في إطار التعاون بين البلدين.

وتسعى مصر إلى الاستفادة من الخبرة الصينية المتقدمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، بما يسهم في بناء بنية تحتية رقمية أكثر تطورًا وأمانًا، ويدعم توجه الدولة نحو التحول الرقمي وتوطين التكنولوجيا والصناعات المستقبلية.

 

الأمن المائي.. دعم سياسي في قضية تمس الأمن القومي

يحمل التعاون المصري-الصيني أيضًا أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي.

وتكتسب الصين أهمية خاصة بالنسبة لمصر باعتبارها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، وهو ما يجعل موقفها السياسي تجاه القضايا الإقليمية والدولية محل اهتمام كبير.

وفي ملف الأمن المائي، أكدت المواقف المشتركة بين البلدين إدراك أهمية نهر النيل بالنسبة إلى مصر، ودعم حقها في حماية أمنها المائي والغذائي، وهو ما يمنح التعاون السياسي بين القاهرة وبكين أهمية إضافية في واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالأمن القومي المصري.

 

الشرق الأوسط.. تنسيق سياسي في مواجهة الأزمات

 

تمتد الشراكة المصرية-الصينية إلى عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقطاع غزة والأزمة السودانية.

وتسعى القاهرة إلى تعزيز التنسيق مع بكين بشأن القضايا الإقليمية، في ظل تقارب المواقف تجاه أهمية احترام سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية، والعمل على دعم الحلول السياسية للأزمات والنزاعات.

ومن شأن هذا التعاون أن يعزز مكانة مصر باعتبارها طرفًا إقليميًا فاعلًا، قادرًا على بناء جسور التواصل بين القوى الدولية والإقليمية.

 

التعاون الدفاعي.. تنويع مصادر التسليح

يشكل التعاون العسكري والدفاعي محورًا آخر في العلاقات المصرية-الصينية، حيث تسعى القاهرة إلى تنويع مصادر تسليحها والاستفادة من التطور التكنولوجي الصيني في عدد من المجالات الدفاعية.

ويأتي التعاون في مجالات التكنولوجيا العسكرية، ومن بينها تقنيات الطائرات المسيّرة، في إطار توجه مصر نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، وتنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية بما يخدم متطلبات الأمن القومي.

 

مصر والجنوب العالمي.. موقع يتجاوز الشراكة الثنائية

 

لا يمكن النظر إلى العلاقات المصرية-الصينية باعتبارها علاقة ثنائية فقط، فالقاهرة تمثل بالنسبة إلى بكين بوابة مهمة إلى أفريقيا والشرق الأوسط، كما تمثل الصين بالنسبة إلى مصر شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا وتكنولوجيًا ذا ثقل دولي.

وتعزز هذا الدور مع انضمام مصر إلى مجموعة بريكس، وتنامي حضورها في الأطر والتجمعات الدولية المرتبطة بدول الجنوب العالمي.

ومن هنا، يمكن أن تتحول مصر إلى حلقة وصل مهمة بين المبادرات التنموية والاستثمارية الصينية ودول أفريقيا والمنطقة العربية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، ومكانتها داخل منظومة الجنوب العالمي.

زيارة تُعيد رسم الشراكة.. ماذا تجني مصر من التقارب الاستراتيجي مع الصين؟

أكثر من 20 وثيقة تعاون.. خريطة جديدة للشراكة

 

شملت حزمة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة مجالات متنوعة، من بينها التعاون الاقتصادي والفني، وسلاسل الصناعة والإمداد، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة المتجددة، وصناعة السيارات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والنقل، والإعلام والتبادل الثقافي.

كما تضمنت الاتفاقيات تعزيز استخدام العملات المحلية، وفي مقدمتها الجنيه المصري واليوان الصيني، في المعاملات التجارية، إلى جانب توسيع أطر التعاون المالي واتفاقيات مبادلة العملات، بما يمكن أن يسهم في تسهيل حركة التجارة وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في بعض المعاملات الثنائية.

 

شراكة أمام اختبار التنفيذ

تكشف زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة عن مرحلة جديدة في العلاقات المصرية-الصينية، عنوانها الأساسي الانتقال من الاتفاقيات إلى المشروعات، ومن التقارب السياسي إلى المصالح الاقتصادية المباشرة.

فنجاح هذه الشراكة لن يقاس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها، وإنما بقدرتها على التحول إلى مصانع ومشروعات إنتاجية، واستثمارات حقيقية، وفرص عمل، وزيادة في الصادرات، ونقل للتكنولوجيا والخبرات.

وتملك مصر مقومات مهمة لإنجاح هذه المعادلة، وفي مقدمتها موقعها الاستراتيجي، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية، وسوقها المحلية الكبيرة، إلى جانب موقعها كبوابة إلى الأسواق الأفريقية والعربية.

وفي المقابل، تمتلك الصين رأس المال والخبرة الصناعية والتكنولوجية وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل الشراكة بين البلدين قائمة على قدر كبير من التكامل.

وبذلك، تبدو زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة أكثر من مجرد محطة في مسار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؛ فهي محاولة لإعادة صياغة الشراكة المصرية-الصينية على أسس أكثر ارتباطًا بالاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والأمن الإقليمي.

 

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل الزخم السياسي والاتفاقيات الموقعة إلى نتائج يشعر بها الاقتصاد والمواطن المصري على أرض الواقع، لتصبح الشراكة مع الصين إحدى الأدوات الداعمة لمسار التنمية المصرية خلال السنوات المقبلة.

زيارة تُعيد رسم الشراكة.. ماذا تجني مصر من التقارب الاستراتيجي مع الصين؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.