مصر ستهم وحارقة دمهم
بقلم: أحمد مختار
“مصر ستهم وحارقة دمهم”… عبارة تتردد كثيرا على ألسنة المصريين، ليس بدافع التعالي على أحد، وإنما كتعبير شعبي يحمل في طياته قدرا كبيرا من الاعتزاز بوطن يمتلك تاريخا لا يشبه تاريخ غيره، وحضورا لا يمكن تجاهله، وتأثيرا يتجاوز حدوده الجغرافية. فمصر، منذ آلاف السنين، ليست دولة عادية على خريطة العالم، بل حضارة صنعت التاريخ، وأسهمت في تشكيل وجدان الإنسانية، وظلت على مر العصور محورا للاحداث الاقليمية والدولية.
حين تتحرك مصر، يراقب الجميع. وحين تتحدث، تصغي العواصم. وحين تواجه تحديا، تصبح محل متابعة من الصديق قبل المنافس. وهذا ليس ادعاء، بل حقيقة فرضتها الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا والدور السياسي والثقافي الذي لعبته مصر عبر قرون طويلة. فهي قلب العالم العربي، وبوابة افريقيا، وجسر يصل الشرق بالغرب، وتتحكم في واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم، فضلا عن ثقلها السكاني والعسكري والاقتصادي.
وربما لهذا السبب تحظى مصر دائما باهتمام استثنائي في وسائل الاعلام ومراكز الدراسات ودوائر صنع القرار. فنجاحها يلفت الانظار، وأزماتها تثير النقاش، وخطواتها تحلل بدقة، لانها دولة مؤثرة، وما يصدر عنها ينعكس على محيطها الاقليمي بصورة أو بأخرى. فالدول الكبيرة لا تعيش في هامش الاحداث، بل تكون دائما في قلبها.
وليس التأثير المصري وليد الحاضر فقط، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الريادة في الثقافة والفنون والتعليم والاعلام. فمن مصر خرجت جامعات ومؤسسات علمية أثرت المنطقة، ومنها انطلقت أعمال أدبية وفنية وموسيقية ما زالت حاضرة في ذاكرة الملايين، وعلى أرضها تشكلت مدارس فكرية وسياسية تركت بصمتها في العالم العربي. لذلك بقي اسم مصر حاضرا في كل بيت عربي، وأصبح تأثيرها الثقافي جزءا من الهوية المشتركة للمنطقة.
وفي السنوات الاخيرة، ومع تنفيذ مشروعات قومية ضخمة، وتطوير البنية التحتية، والتوسع في المدن الجديدة، والاستثمار في الطاقة والتحول الرقمي، عاد الحديث عن مصر بقوة في التقارير الاقتصادية والاعلامية. فمن يرى حجم التغيير يدرك أن الدولة تسعى إلى بناء مستقبل مختلف، وأنها تتحرك وفق رؤية تستهدف تعزيز قدرتها على المنافسة وتحسين جودة الحياة لمواطنيها.
لكن قوة مصر الحقيقية لا تكمن فقط في مشروعاتها أو إمكاناتها، بل في شعبها. فهذا الشعب أثبت عبر التاريخ قدرة استثنائية على الصمود، والتكيف مع التحديات، وإعادة البناء بعد كل أزمة. وقد يكون هذا أحد أهم أسرار استمرار الدولة المصرية عبر آلاف السنين، بينما اختفت امبراطوريات ودول كانت تبدو في زمانها عصية على الزوال.
إن عبارة “مصر ستهم وحارقة دمهم” لا ينبغي أن تفهم باعتبارها دعوة للشماتة أو الاستعلاء، وإنما باعتبارها تعبيرا شعبيا عن الثقة بالنفس، والايمان بأن لمصر مكانة يصعب تجاوزها. فالدول العظيمة لا تحتاج إلى التقليل من الآخرين حتى تثبت قيمتها، لان تاريخها وإنجازاتها يتحدثان عنها.
ويبقى الاجمل أن يكون اعتزازنا بمصر دافعا إلى مزيد من العمل والانتاج والابتكار، لا مجرد كلمات نتبادلها. فالمكانة الحقيقية لا يحافظ عليها التاريخ وحده، بل يصنعها الحاضر، ويؤكدها المستقبل. وعندما يواصل المصريون البناء، ويستثمرون في العلم والعمل، فإنهم لا يدافعون عن مكانة وطنهم فحسب، بل يكتبون فصلا جديدا من قصة حضارة بدأت منذ آلاف السنين، وما زالت قادرة على الالهام والعطاء.
