الرزق مش شهادة ذكاء
بقلم: أحمد مختار
ولو كانت الارزاق تجري على الحجى
هلكنا اذا من جهلها البهائم
بهذا البيت القصير تختصر حكمة كبيرة، وتنكشف واحدة من اكثر الاوهام انتشارا في حياتنا المعاصرة. وهم ان الرزق نتيجة مباشرة للذكاء، وان الوفرة المالية شهادة تفوق، وان التعثر دليل نقص او غباء. هذا المنطق يبدو مقنعا في ظاهره، لكنه ينهار تماما امام الواقع، وامام التجربة الانسانية، وامام ابسط تأمل صادق في الحياة.
لو كان الذكاء وحده مفتاح الرزق، لكانت الدنيا مرتبة ترتيبا حسابيا دقيقا، يتصدرها الاذكى وينتهي فيها الابسط. لكننا نرى العكس كل يوم. نرى اذكياء يعانون، وبسطاء تتفتح لهم الابواب. نرى من خطط واجتهد وسهر وتعب ولم يصل، ونرى من سار بخطوات عادية فوجد الطريق ممهدا. هذا التناقض وحده كاف ليخبرنا ان الرزق لا يسير على منطق العقل المجرد فقط.
الذكاء نعمة، لكنه ليس صكا بالنجاح. هو اداة مثل غيره من الادوات، قد تساعد وقد لا تكفي. كم من انسان يملك عقلا حادا لكنه يفتقد التوفيق، وكم من انسان بسيط الفهم لكن الله يضع في طريقه من يعينه ويفتح له ابوابا لم يحسب لها حسابا. الفرق ليس في القدرة فقط، بل في القسمة.
الرزق ليس مالا فقط، وهذه اول مغالطة يقع فيها كثيرون. الرزق صحة، وستر، وراحة بال، ونوم هادئ، وقلب مطمئن، وعلاقات انسانية صادقة. كم من غني يتمنى يوما واحدا بلا قلق، وكم من صاحب منصب يحسد انسانا عاديا على بساطته ورضاه. من حصر الرزق في الارقام ظلم نفسه قبل ان يظلم غيره.
المجتمع الحديث يضغط بقسوة. يقارن الناس ببعضهم، ويحول الحياة الى سباق دائم، ويقيس القيمة بما تحقق ماديا فقط. من لم يصل يشعر انه متاخر، ومن تعثر يشعر انه فاشل، ومن ضاق رزقه يظن ان الخلل فيه وحده.
هكذا تتحول القسمة الى اتهام، والابتلاء الى عار، والاختلاف الطبيعي بين الناس الى شعور دائم بالنقص.
الحقيقة ان الارزاق ليست دليلا على الرضا المطلق، ولا على السخط المطلق. قد يعطي الله ليختبر، وقد يمنع ليحمي، وقد يؤخر ليعلم الصبر، وقد يفتح فجاة ليجبر خاطرا طال انكساره. نحن نرى الجزء الصغير من الصورة، ولا نرى الحكمة الكاملة. نرى بابا مغلقا، ولا نعلم ان غلقه انقذنا من طريق كان سيؤذينا.
السعي واجب، والعمل قيمة، والاتقان شرف. لكن النتائج ليست في ايدينا وحدنا. هناك فرق بين من يسعى وهو مطمئن، ومن يسعى وهو مذعور. الاول يعمل ويثق، والثاني يعمل ويقارن ويحترق من الداخل. القلق لا يزيد الرزق، لكنه يسرق متعة الحياة.
من اخطر ما نفعله ان نقيس الناس بارزاقهم. نحترم الغني تلقائيا، ونشكك في الفقير دون ان نشعر. كأن المال صار مقياس عقل واخلاق. بينما الحقيقة ان المال اختبار، كما ان الفقر اختبار، وكل انسان يمتحن في موضع مختلف. ليس من العدل ان نحاكم الجميع بنفس الميزان.
الرزق ليس عدلا حسابيا، لكنه عدل الهي. قد يبدو غير مفهوم، لكنه ليس عبثا. ولو فهم الانسان هذه الحقيقة بعمق، لتخفف من جلد الذات، وتوقف عن مقارنة حياته بحياة غيره، وركز على ما بيده لا على ما في يد الناس.
الذكاء الحقيقي ليس ان تجمع اكثر، بل ان تفهم اكثر. ان تفهم ان الدنيا مراحل، وان ما عندك اليوم قد يتغير غدا، صعودا او هبوطا. ان لا تربط كرامتك بما تملك، ولا تجعل رزقك سببا لاحتقار نفسك او غيرك.
في النهاية، قد يكون اعظم رزق يمنح للانسان هو الرضا. ان تنام وانت غير ناقم، وان تصحو وانت غير حاسد، وان تسعى وانت مطمئن ان ما كتب لك سيصل اليك مهما تاخر، وما لم يكتب لك لن تناله مهما اجتهدت.
الرزق مش شهادة ذكاء، ولا وسام تفوق، ولا حكما نهائيا على قيمة الانسان. هو قسمة، واختبار، ورسالة خفية، لا يفهمها من ينظر للسطح فقط.

