نفوس عظيمة
بقلم: أحمد مختار
ليست قيمة الانسان فيما يملك، بل فيما يصبح عليه بعد ان يملك. فالدنيا كثيرا ما تعطي الناس اموالا ومناصب وحظوظا متفاوتة، لكنها في الحقيقة لا تغير النفوس بقدر ما تكشفها. هناك من اذا اوتي شيئا من الدنيا ازداد لينا وتواضعا ورحمة، وكأن النعمة زادته ادراكا لصغر الدنيا وعظمة الانسان. وهناك من اذا نال حظا يسيرا منها امتلأ غرورا وتعاليا، وكأن ما حصل عليه لم يكن نعمة بل اختبارا كشف ما كان مختبئا داخله من نقص وضعف.
ان التواضع ليس سلوكا يتصنعه الانسان امام الناس، بل هو انعكاس لعمق داخلي وشعور حقيقي بالقيمة. فكلما كبر الانسان من الداخل، صغر في عينيه التفاخر بما يملك. لذلك نجد اصحاب النفوس العظيمة اكثر هدوءا، واكثر بساطة، واقل حاجة لاثبات انفسهم. لان الانسان الواثق من قدره لا يقف كل يوم ليعلن للناس من يكون، ولا يحتاج ان يرفع صوته حتى يسمعه الاخرون.
اما الانسان الذي يتكبر بما اوتي من مال او منصب او جاه، فهو في الغالب يحاول ان يخفي شيئا ناقصا بداخله. فالكبرياء الزائد ليس دليل قوة كما يظن البعض، بل كثيرا ما يكون قناعا هشا يخفي خوفا عميقا من ان يكتشف الناس حقيقته. ولهذا ترى بعض الناس اذا امتلكوا شيئا بسيطا تغيرت لغتهم ونظراتهم وطريقتهم في التعامل، وكأنهم كانوا ينتظرون اول فرصة ليشعروا بالتفوق على غيرهم.
الدنيا بطبعها متقلبة، لا تدوم لاحد، ولا تحفظ حالا على حال. فمن فهم حقيقتها تعامل معها بخفة، واخذ منها ما يكفيه دون ان يسمح لها بان تسكن قلبه. ولهذا كان اعظم الناس قدرا اكثرهم تواضعا، لانهم يعلمون ان ما بايديهم ليس دائما، وان الانسان يحترم باخلاقه لا بما يملكه.
كم من غني عاش متواضعا، فدخل القلوب دون استئذان. وكم من فقير كان عزيز النفس، فرفع الناس له القبعات احتراما. وكم من صاحب منصب سقط من اعين الناس، لانه ظن ان المكانة تشترى بالنفوذ لا بالادب. فالناس قد تبهرها المظاهر لبعض الوقت، لكنها في النهاية لا تحترم الا الجوهر الحقيقي.
ان اجمل ما في التواضع انه لا ينتقص من صاحبه، بل يزيده رفعة وهيبة. فالشجرة المثمرة هي التي تنحني، والبحر العميق هو الاكثر هدوءا. وكذلك الانسان العظيم لا يحتاج الى استعراض عظمته. اما الضجيج الدائم حول الانجازات والممتلكات، فهو غالبا محاولة لاقناع النفس قبل اقناع الاخرين.
ولعل اخطر ما تفعله الدنيا ببعض الناس، انها تجعلهم يربطون قيمتهم بما يملكون. فاذا زاد المال ظنوا انهم اصبحوا اكبر، واذا نقص شعروا انهم صاروا اقل. بينما الحقيقة ان القيمة الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من الداخل، من الاخلاق والرحمة والصدق واحترام الناس والقدرة على البقاء انسانا مهما تبدلت الظروف.
في النهاية، ليست العبرة فيما اعطتك الدنيا، بل فيما كشفته منك. فان زادتك النعمة تواضعا، فاعلم ان بداخلك شيئا اكبر من المال والمنصب. وان زادتك تكبرا، فربما لم تكن النعمة الا مرآة اظهرت ما كنت تخفيه عن نفسك وعن الناس.

