الحب أعمى.. والجنون دليله!
بقلم: أبو يوسف محمد مجاهد
لماذا يقولون إن الحب أعمى؟
يُحكى أنه في قديم الزمان، وقبل أن يوجد الإنسان على وجه الأرض، كانت المشاعر تجوب العالم وقد أصابها الملل الشديد.
وذات يوم، اقترح “الإبداع” لعبةً أسماها “الخَبَّاية”، فوافق الجميع على الفكرة بحماس.
عندها صاح “الجنون”: “أنا سأبدأ العدّ، وأنتم ابدؤوا بالاختباء!”
اتكأ الجنون على جذع شجرة وبدأ يعدّ، بينما انطلقت المشاعر تبحث عن أماكن تختبئ فيها.
اختبأ العطاء داخل غيمة، واختبأت القسوة بين كومة من الحجارة، وذهبت الرقة إلى سطح القمر. أما الكذب فصاح بصوت مرتفع: “سأختبئ خلف تلك الصخرة!” لكنه في الحقيقة ذهب واختبأ في قاع البحيرة.
ومع اقتراب الجنون من نهاية العدّ، كانت جميع المشاعر قد وجدت مخابئها، ما عدا الحب. ولم يكن ذلك مفاجئًا، فالجميع يعلم كم يصعب إخفاء الحب.
وعندما وصل الجنون إلى التسعين، قفز الحب مسرعًا واختبأ داخل شجيرة ورد صغيرة.
انتهى العدّ، وبدأت رحلة البحث.
كان الكسل أول من انكشف، لأنه لم يبذل جهدًا في إخفاء نفسه. ثم خرج الكذب من البحيرة لاهثًا، وأشار للرقة كي تعود من سطح القمر. وعثر الجنون على الصراحة بعد أن تعثرت في طريقها، وأقبلت السعادة مشرقة المحيّا، كما حضرت الفتنة وقد غلبها النعاس.
وجاء الأمل من خلف الغيوم، وتقدّم الحنين بأناقته وعطره الأخّاذ.
وجد الجنون جميع المشاعر، إلا الحب.
وبدأ اليأس يتسلل إليه، وكاد يفقد الأمل في العثور عليه. عندها انزعج الحسد من الحب، فاقترب من الجنون وهمس في أذنه: “إن الحب مختبئ في شجيرة الورد الصغيرة.”
أمسك الجنون غصنًا مليئًا بالأشواك، وأخذ يضرب به شجيرة الورد بعشوائية، ولم يتوقف إلا عندما سمع صرخة ألم وبكاءً يمزق القلوب.
لقد اخترقت الأشواك عيني الحب، ففقد بصره وأصبح أعمى.
خرج الحب من مخبئه، واضعًا يديه على عينيه، والدم يتساقط من بين أصابعه.
صرخ الجنون نادمًا: “يا إلهي! ماذا فعلت؟ وكيف أكفّر عن خطئي؟”
فقال له الحب: “لن تستطيع أن تعيد إليّ بصري مهما فعلت، ولكن يمكنك أن تكون دليلي وتقودني طوال العمر.”
ومنذ ذلك اليوم، أصبح الحب أعمى.. وأصبح الجنون يقوده.
