ابتسامة على هامش العمر
بقلم: أحمد مختار
أظن أن أخطر ثلاث كلمات يمكن أن تسمعها بعد سن معينة هي: “بالنسبة لسنك”.
ليست شتيمة، وليست مجاملة، وليست حتى ملاحظة عابرة.
إنها منطقة رمادية كاملة.
تسمعها فتبتسم، ثم تظل تفكر فيها طوال الطريق إلى المنزل.
يقول لك أحدهم:
“ما شاء الله شكلك كويس بالنسبة لسنك”.
فتشكره على لطفه، ثم تنشغل بالسؤال الأهم:
هل كان يقصد أنني أبدو جيدا؟
أم أن السن نفسه دخل الغرفة قبلي ولم أنتبه؟
ويقول آخر:
“نشاطك رائع بالنسبة لسنك”.
فتفرح أولا بكلمة “رائع”، ثم تلحق بها كلمة “بالنسبة”، فتكتشف أن الفرح يحتاج إلى إعادة حساب.
أما في الجيم، فالوضع أكثر تعقيدا.
شاب يصغرني بعشرات السنين ينظر بإعجاب ويقول:
“بصراحة… لياقة ممتازة بالنسبة لسنك”.
وأنا أنظر إليه وأفكر:
يا بني، عندما كنت في عمرك كنت أعتبر التعب إهانة شخصية.
حتى الأطباء لديهم علاقة خاصة بهذه العبارة.
تذهب للفحص الدوري، فتسمع:
“النتائج مطمئنة جدا بالنسبة لسنك”.
ولا تعرف هل تغادر سعيدا بالنتائج، أم قلقا من السن الذي أصبح معيارا طبيا معتمدا.
الأمر لا يتوقف عند الصحة.
في إحدى المناسبات، قال لي أحدهم:
“ذاكرتك قوية جدا بالنسبة لسنك”.
فشكرته بحرارة.
ثم نسيت بعد خمس دقائق سبب شكري له.
وفي جلسة أخرى، قال شاب:
“حضرتك متابع التكنولوجيا بشكل ممتاز بالنسبة لسنك”.
وكأن الإنترنت تم اختراعه بعد بلوغي الثمانين مباشرة.
حتى المشي لم يسلم.
أعبر الشارع في هدوء، فيبادرني أحدهم:
“ما شاء الله… خفة حركة بالنسبة لسنك”.
خفة حركة؟
أنا كنت أعبر الشارع فقط.
لم أكن أشارك في نهائي سباق 100 متر.
الأجمل من كل ذلك أن قائل الجملة يكون مقتنعا تمام الاقتناع أنه يجاملك.
وهو بالفعل يجاملك.
لكنها مجاملة تشبه الهدايا التي تأتي داخلها رسالة صغيرة تذكرك بتاريخ ميلادك.
ومع مرور الوقت، بدأت أتصالح مع الأمر.
فالحقيقة أن المشكلة ليست في عبارة “بالنسبة لسنك”.
المشكلة أننا جميعا نعتقد أن العمر يسكن الأرقام، بينما هو في الواقع يسكن نظرات الآخرين.
أما أنا، فما زلت أستمتع بفنجان القهوة، وأفرح بمكالمة صديق قديم، وأتحمس لقراءة كتاب جديد، وأضحك من النكات السخيفة أحيانا.
وإذا كان كل ذلك يحدث “بالنسبة لسني”…
فلا أجد مانعا على الإطلاق.
بل أعتبرها نتيجة ممتازة…
بالنسبة لسني.
