الاسراء والمعراج حين يتدخل الغيب لاعادة بناء الانسان
بقلم: احمد مختار
لم تكن حادثة الاسراء والمعراج معجزة عابرة في سجل السيرة النبوية، ولا حدثا استثنائيا يقف عند حد الدهشة، بل كانت تدخلا الهيا مباشرا لاعادة بناء انسان، واعادة تثبيت رسالة، واعادة ترتيب علاقة الارض بالسماء في لحظة بلغت فيها المحنة اقصاها. جاءت هذه الرحلة في زمن انكسر فيه الظاهر، واشتد فيه الالم، وضاقت فيه السبل، حتى بدا ان الطريق قد اغلق من كل اتجاه، فجاء الفتح من حيث لا يحتسب البشر.
بعد عام الحزن، وبعد فقد النبي صلى الله عليه وسلم لعمه ابي طالب الذي كان له سندا في مواجهة قريش، وزوجته خديجة التي كانت له قلبا وسكنا، وبعد تجربة الطائف القاسية التي واجه فيها الرفض والايذاء، لم يعد الاذى مجرد مواجهة خارجية، بل اصبح امتحانا داخليا ثقيلا. في هذا التوقيت لم يكن الحل خطابا سياسيا، ولا نصرا ماديا، بل لقاء مع الغيب، يرفع النبي فوق الالم دون ان ينفصله عن الواقع.
بدأت الرحلة من المسجد الحرام، المكان الذي انطلقت منه دعوة التوحيد، لتصل الى المسجد الاقصى، ارض الانبياء ومسرح الرسالات السابقة. لم يكن هذا الانتقال الجغرافي تفصيلا عرضيا، بل كان اعلان ارتباط بين العقيدة والمكان، وبين التاريخ والرسالة، وبين الماضي والمستقبل. ربط الله بين اقدس بقعتين في الاسلام ليؤكد ان هذه الامة امتداد طبيعي لمسيرة النبوة كلها، وان المسجد الاقصى ليس قضية سياسية طارئة، بل ركن من اركان الوعي الايماني.
ركب النبي صلى الله عليه وسلم البراق، في دلالة واضحة ان قوانين المادة لا تحكم قدرة الله، وان من امن بالله لا يقيس افعاله بمعايير البشر المحدودة. كان الاسراء في جوهره انتقالا من منطق الاسباب الى منطق القدرة، ومن ضيق الواقع الى سعة الغيب.
في بيت المقدس، صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالانبياء اماما، في مشهد تتجلى فيه الخاتمية لا كاقصاء، بل كاكتمال. لم يكن امامهم لانهم اقل، بل لان الرسالة قد بلغت تمامها. كان هذا الاصطفاف اعلان وحدة الدين، وان كل الانبياء جاؤوا بدعوة واحدة، اختلفت صورها وتوحد جوهرها.
ثم بدأ المعراج، رحلة الصعود من عالم الشهادة الى عالم الغيب، من حدود العقل الى افق التسليم. في السماوات السبع، التقى النبي بالانبياء، وكان كل لقاء يحمل دلالة انسانية عميقة. ادم يذكر بالاصل والمسؤولية، ويوسف يذكر بجمال الصبر بعد الظلم، وموسى يذكر بثقل التكليف ومشقة القيادة، وهو الذي كان اكثر حرصا على الامة حين نصح النبي بمراجعة ربه لتخفيف عدد الصلوات.
وعند سدرة المنتهى، بلغ النبي حدا لم يبلغه بشر، وتوقف جبريل، ليعلن ان هناك مقاما لا يبلغه الا من اصطفاه الله. هنا يدرك الانسان ان للعقل حدودا، وان الايمان الحقيقي لا يقوم على الاحاطة، بل على الثقة، وان التسليم ليس ضعفا، بل وعي بحقيقة الانسان امام المطلق.
في هذا المقام فرضت الصلاة، العبادة الوحيدة التي لم تفرض على الارض، لتكون صلة مباشرة بين العبد وربه. فرضت خمسين ثم خففت الى خمس، وبقي اجرها خمسين، وكأن الرسالة واضحة، ان القرب من الله ليس عبئا، بل رحمة، وان الصلاة ليست واجبا ثقيلا، بل معراجا يوميا يرتقي فيه المؤمن فوق ضغوط الحياة.
عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم الى الارض، لم يكن يحمل قصة عجيبة، بل يحمل يقينا صلبا. وحين اخبر قريشا، لم يكن الهدف اقناع المكذبين، بل فرز الصفوف. سخروا، واستهزؤوا، وتردد بعض الضعفاء، وثبت الصادقون. وهنا تجلت قيمة الايمان في ابسط صورها، حين قال ابو بكر الصديق كلمته الخالدة، ان كان قال فقد صدق. لم يحتج الى برهان، لان الثقة كانت اعمق من السؤال.
الاسراء والمعراج ليس حدثا منقطعا عن واقعنا، بل رسالة مستمرة. يقول لكل من ضاق به الواقع ان السماء مفتوحة، ولكل من انهكه الالم ان الفرج قد ياتي من خارج الحسابات، ولكل امة فقدت بوصلتها ان الطريق الى النصر يمر اولا عبر الثبات والايمان.
هي رسالة تعلمنا ان فقدان الارض لا يعوضه الا التعلق بالسماء، وان من ضيع صلاته فقد ضيع مفتاح نجاته، وان بعد كل عسر عروجا، وبعد كل انكسار تكريما.
لم يكن الاسراء والمعراج هروبا من الواقع، بل اعدادا لمواجهته بقلب اقوى ويقين اصلب. ومن هنا تبقى هذه الرحلة حية في وجدان المؤمن، لا تروى للذكرى، بل لتجديد العهد، وللتذكير ان الله اذا اراد بعبده خيرا، فتح له باب السماء حين تغلق ابواب الارض.

