لا تدع من كسرك يسرق أجمل ما فيك
بقلم: أبو يوسف محمد مجاهد
في الحياة، لا تكون الخسارة دائمًا في فقدان شخص، أو انتهاء علاقة، أو ضياع حلم طالما سعينا إليه، فهناك خسارة أعمق وأكثر قسوة؛ أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول تجاوز أذى الآخرين.
أحيانًا يترك الخذلان في القلب شكًا، ويزرع الغدر بداخله قسوة، وقد يدفع الظلم صاحبه إلى ممارسة الظلم على غيره، حتى تتحول التجربة المؤلمة من مجرد جرح إلى تغيير في شخصية الإنسان وأخلاقه.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ أن ينجح من أساء إليك في أن يجعلك تشبهه.
لكن سيرة الأنبياء والرسل تعلمنا أن الألم لا يعني بالضرورة أن نفقد الرحمة، وأن التعرض للظلم لا يمنحنا مبررًا لأن نصبح ظالمين.
فهذا سيدنا يوسف عليه السلام، الذي تعرض للظلم من أقرب الناس إليه، فأُلقي في البئر، وبيع عبدًا، وسُجن ظلمًا، ثم مكّنه الله في الأرض. وعندما جاءت لحظة المواجهة، كان قادرًا على الانتقام، لكنه اختار العفو، وقال لإخوته:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[يوسف: 92]
وهذا سيدنا أيوب عليه السلام، الذي مسّه الضر واشتد عليه البلاء، لكنه لم يفقد حسن ظنه بالله، ولم يتحول ألمه إلى يأس، بل قال:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[الأنبياء: 83]
وهكذا كان رسول الله ﷺ؛ تعرض للأذى والتكذيب، وعانى من مواقف شديدة، وفقد أحبة، ومع ذلك ظلت الرحمة حاضرة في قلبه وسلوكه. يقول الله تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[آل عمران: 159]

ومن هنا يأتي السؤال الأهم: ماذا فعل بك الوجع؟
فليست القضية فقط فيما حدث لك، وإنما فيما تركه هذا الحدث بداخلك. هل جعلك أكثر وعيًا؟ أكثر قوة؟ أكثر قدرة على وضع الحدود؟ أم جعلك شخصًا آخر، يحمل القسوة نفسها التي عانى منها؟
من حقك أن تبتعد عمّن يؤذيك، ومن حقك أن تضع حدودًا تحمي بها نفسك، ومن حقك أن تختار راحة قلبك، لكن ليس من حق الألم أن يسلب منك إنسانيتك.
لا تجعل الخيانة تعلمك الخيانة، ولا تجعل القسوة تطفئ الرحمة في قلبك، ولا تجعل الظلم يحولك إلى ظالم.
كن طيبًا، لا لأن الجميع يستحقون طيبتك، ولكن لأنك أنت لا تستحق أن تخسر أجمل ما فيك بسبب شخص أساء إليك.
فربما يكون أقوى انتصار على من كسرك أن تخرج من تجربتك أكثر نضجًا، دون أن تفقد نقاء قلبك، وأجمل رد على الوجع أن تتعلم منه دون أن تسمح له بأن يغيّرك إلى شخص لا يشبهك.
دع الوجع يعلّمك، لكن لا تدعه يسرق منك الرحمة.
ابتعد عمّن كسرك، واحمِ قلبك، لكن لا تسمح له بأن يكسر ما بداخلك.
