النقاب: عادة دخيلة تهدد الأمان وتُلغي الوجه
بقلم: د نيفين جميل

النقاب ليس فرضًا دينيًا منصوصًا عليه في أي كتاب سماوي. القرآن الكريم أمر بغض البصر والحشمة، لكنه لم يحدد تغطية الوجه كفرض. كذلك لا يوجد في الإنجيل أو التوراة نص يلزم المرأة بإخفاء ملامحها. إذن نحن أمام عادة اجتماعية ارتبطت ببيئات معينة، وليست ركنًا من أركان الدين.
والأهم أنه دخيل على المجتمع المصري. من يراجع صور الشارع المصري وأفلام الخمسينات والستينات يدرك أن النقاب لم يكن موجودًا في مصر قبل سبعينات القرن الماضي. كان الزي السائد هو الحشمة الطبيعية للمرأة المصرية، بملابسها المعروفة دون إخفاء للوجه. النقاب دخل مع موجات فكرية وافدة غيّرت شكل المجتمع وفرضت نمطًا لم نعرفه في تاريخنا الحديث. فلماذا نتمسك اليوم بشيء لم يكن جزءًا من هويتنا الوطنية أصلًا؟
من حقي كإنسان أن أرى وجه من يخاطبني. التواصل البشري لا يقوم على الكلمات فقط، بل على تعبيرات الوجه ونظرة العين ولغة الجسد. إخفاء الوجه يلغي جزءًا أساسيًا من الثقة والأمان في التعامل اليومي. في المدرسة، في المستشفى، في البنك، في الشارع، كيف أضمن أنني أتعامل مع الشخص نفسه؟ كيف تميز الأم طفلها أن من تستلمه من الحضانة هي المعلمة فعلًا وليس شخصًا آخر؟
المشكلة الأخطر أن النقاب تحول في حالات كثيرة إلى أداة لإخفاء الهوية وارتكاب الجرائم. وقائع الشرطة والنيابة سجلت استخدام النقاب في عمليات سرقة، وخطف، وتسول، وغش في الامتحانات، وحتى في جرائم مخلة بالشرف. الجاني يرتدي النقاب ليختفي عن كاميرات المراقبة ويهرب من العدالة. هنا يتحول اللباس من حرية شخصية إلى ستار يهدد أمن المجتمع.
تاريخيًا، لم يكن إخفاء الوجه مرتبطًا دائمًا بالعفة. وثائق ومراجع تاريخية كثيرة أشارت إلى أن بعض فئات النساء في العصور القديمة كن يغطين وجوههن في سياقات لا علاقة لها بالتدين، بل كانت مرتبطة بمهن أو طبقات اجتماعية محددة، منها ما كان يُصنف أخلاقيًا بشكل سلبي في تلك المجتمعات. أي أن ربط النقاب بالفضيلة المطلقة هو تعميم لا يسنده التاريخ.
الحل ليس في المنع المطلق ولا في التعميم، بل في التوازن بين الحرية الشخصية وحق المجتمع في الأمان. من حق أي مؤسسة أن تشترط كشف الوجه للتحقق من الهوية. من حق المواطن أن يرى وجه الموظف الذي يقدم له خدمة، ومن حق القاضي وضابط الشرطة التحقق من هوية الماثل أمامه. هذه ليست مصادرة حرية، بل حماية لحقوق الآخرين.
المجتمع القوي هو الذي يوازن بين الاحترام والحزم. احترام من تختار النقاب عن قناعة، وحزم في رفض استخدامه كوسيلة للإجرام أو التخفي. الوجه هوية، والأمن حق للجميع. والحفاظ على هوية مصر كما عرفناها قبل السبعينات هو جزء من هذا الأمن.
