Nepras ELSalam News

راحة بالي أغلى من كل شيء

1

راحة بالي أغلى من كل شيء

 

بقلم: أبو يوسف محمد مجاهد

 

مع مرور الوقت، اكتشفت أن ليس كل شيء يستحق أن نحارب من أجله، وأن راحة البال أحيانًا تكون أغلى من ألف أمنية تمنّينا تحقيقها.

أنا لست شخصًا مثاليًا، ولم أدّعِ يومًا أنني أفهم الحياة بكل تفاصيلها، لكنني أحاول أن أعيش بضمير مرتاح، وقلب لا يعرف الأذى، وروح، مهما رأت من تقلبات الحياة، لا تزال تؤمن بأن الخير يستحق أن نتمسّك به.

ربما تغيّرت في أشياء كثيرة، وربما أصبحت أختار الصمت بدلًا من الشرح، والابتعاد بدلًا من العتاب، وراحة قلبي بدلًا من استنزاف روحي في حكايات لا نهاية لها. لكن هناك أشياء بداخلي ما زالت كما هي؛ تقديري للمواقف، ووفائي لمن أحب، وحرصي الدائم على ألّا أكون سببًا في وجع أحد، حتى وإن كنت أنا من يتألّم.

لست ملاكًا حتى لا أخطئ، ولا حجرًا حتى لا أتأثر. أنا إنسان يفرح من قلبه، ويحزن في صمت، ويسامح حين يستطيع، ويرحل حين يشعر بأن بقاءه أصبح عبئًا على نفسه، وأن وجوده في بعض الأماكن لم يعد يمنحه السلام الذي يستحقه.

لم أعد بحاجة إلى لفت انتباه أحد، أو شرح قيمتي لمن لا يراها، أو طرق باب لم يُفتح لي برغبة صادقة. فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها، ومن يعرفك بصدق، يدرك معدنك دون أن تضطر إلى تبرير نفسك في كل مرة.

من يعرفني حقًا، سيدرك أن وراء هدوئي حكايات كثيرة، ووراء ابتسامتي أيامًا مرّت بصعوبة، وأن طيبتي لا تعني أنني لا أفهم ما يدور حولي، بل تعني أنني اخترت أن أظل متمسّكًا بأخلاقي، وألّا أسمح لتصرفات الآخرين بأن تغيّر الإنسان الذي أحب أن أكونه.

فالأخلاق ليست رد فعل على معاملة الناس لنا، بل هي انعكاس لتربيتنا، وأصالة نفوسنا، ومبادئنا التي نؤمن بها. وليس من القوة أن نردّ الأذى بالأذى، بل إن القوة الحقيقية تكمن في أن نمتلك القدرة على الرد، ثم نختار ألّا نتشبه بمن آذانا.

وفي النهاية، كل ما أتمناه أن يعينني الله على أن أظل كما أحب أن أكون: قلبًا نقيًّا بلا سذاجة، قويًّا بلا قسوة، عزيزًا بلا غرور، وحنونًا دون أن أنسى حق نفسي.

أتمنى أن تأخذني الدنيا إلى طرق لم أخطّط للسير فيها، وأن أواجه من المواقف ما لم أتمنَّ يومًا مواجهته، ومع ذلك أظل قادرًا على العودة إلى نفسي، والنظر في المرآة برضا، وأنا مطمئن إلى الإنسان الذي أصبحت عليه.

فأنا لست مطالبًا بأن أكون الأقوى في عيون الناس، ولا بأن أرضي الجميع على حساب نفسي؛ يكفيني أن أكون صادقًا مع نفسي، مطمئنًا لضميري، راضيًا عن طريقي، وواثقًا بأن الخير الذي يقدّره الله لي سيأتي في وقته المناسب، مهما تأخّر.

تلك حكايتي ببساطة؛ قلب يحاول أن يظل نقيًّا في دنيا لا تكون سهلة دائمًا، وروح تتعب أحيانًا، لكنها في كل مرة تستمد قوتها من الإيمان بالله، وتستعيد طمأنينتها حين تتذكر أن وراء كل ضيق فرجًا، وأن رحمة الله أوسع من كل ألم.

ولعل أجمل ما نتعلّمه من الحياة أن جبر الخواطر ليس مجرد كلمة طيبة أو موقف عابر، بل هو أثر جميل نتركه في قلوب الآخرين، وأن الله قادر على أن يجبر كسرًا لا يراه أحد، ويعوّض قلبًا صبر طويلًا، ويمنحنا من الطمأنينة ما يجعلنا ننسى قسوة ما مررنا به.

فما أجمل أن نعيش بقلوب لا تحمل الحقد، ونفوس لا تتمنى الأذى، وأرواح تؤمن بأن جبر الخواطر من أعظم صور الخير، وأن ما عند الله أجمل وأبقى من كل ما فقدناه في هذه الحياة.

والحمد لله دائمًا وأبدًا.

راحة بالي أغلى من كل شيء

Leave A Reply

Your email address will not be published.