أنا من جيل الخمسينيات.. جيل الذكريات التي لا تُنسى
بقلم: أبو يوسف محمد مجاهد
سنك كام؟ لو عمرك بين 60 و75 عامًا، فأنت تنتمي إلى جيلٍ عاصر تحولات وأحداثًا كبرى، وعاش تفاصيل لا يعرفها إلا من عاشها. إنه جيل الخمسينيات والذكريات التي لا تُنسى؛ جيل عاصر زمنًا مختلفًا، كانت فيه الحياة أبسط، والعلاقات أكثر دفئًا، والذكريات أكثر حضورًا.
هذا الجيل عاصر أحداثًا تاريخية كبرى، من حرب 1967 وحرب الاستنزاف، إلى نصر أكتوبر 1973، كما تابع حرب العراق وإيران، وحرب جزر فوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين، وحرب الكويت، والحرب الأهلية اللبنانية، واتفاقيات كامب ديفيد، واغتيال الرئيس أنور السادات، إلى جانب العديد من التحولات السياسية والانقلابات التي شهدها العالم خلال تلك العقود.
جيل الخمسينيات تابع بطولات كرة القدم عبر أجيال متعاقبة، وشاهد نجومًا أصبحوا جزءًا من ذاكرة الرياضة، من محمود الخطيب وبيليه ومارادونا، إلى حسن شحاتة ومحمد صلاح.
وهو أيضًا الجيل الذي عاصر العملات القديمة؛ المليم والتعريفة والنكلة والقرش والشلن والبريزة والربع جنيه، واحتفظ كثير من أبنائه بذكريات تلك العملات وتفاصيل الحياة المرتبطة بها.
وعاصر هذا الجيل رؤساء مصر في مراحل مختلفة، من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، وصولًا إلى محمد مرسي وعبد الفتاح السيسي، كما عاصر الفترات الانتقالية التي تولى خلالها المسؤولية كل من صوفي أبو طالب والمشير محمد حسين طنطاوي والمستشار عدلي منصور.
كان جيلًا عرف معنى مجانية التعليم في صورتها التي عاشها آنذاك، وذهب إلى المدرسة دون أن يعرف شيئًا عن رياض الأطفال بالشكل المتعارف عليه اليوم، ودون أن تصبح الدروس الخصوصية جزءًا أساسيًا من حياة الأسرة كما هو الحال في زمننا.
عاصر ظهور التليفزيون وانتشاره، وعاش زمن التليفزيون الأبيض والأسود، وشاهد دخول الأجهزة المنزلية الحديثة إلى البيوت، مثل بوتاجازات المصانع والثلاجات «إيديال»، وغيرها من الأجهزة التي كانت وقتها علامات على تغير شكل الحياة.
هذا الجيل رأى عربات الكارو، وركب الترولي باص والترام، وعاش تفاصيل المواصلات القديمة، وركب القطارات بأنواعها المختلفة، وشهد تطور وسائل النقل عامًا بعد عام.
جيل الخمسينيات ارتدى بيجامات الكستور في الشتاء، والبيجامات الخفيفة في الصيف، وعرف معنى أن يخشى الطالب أن يراه المدرس في الشارع وهو يرتكب خطأً؛ احترامًا لمكانة المعلم وهيبته.
كان يحترم الجار، ويعرف معنى «سابع جار»، ويقسم اللقمة الحلوة مع صديقه، وكانت أبسط الأشياء قادرة على صناعة فرحة كبيرة.
كان جيلًا لا يتأثر بسهولة بصعوبات الحياة، ولا يسمح للظروف الاقتصادية بأن تسلبه الأمل، وبدأ كثير من أبنائه رحلتهم التعليمية في الكتاتيب، ثم واصلوا طريقهم حتى تخرجوا في الجامعات.
كانت الهوايات مختلفة؛ القراءة، وجمع الطوابع، ولعب الشطرنج، والاستماع إلى الراديو، ومراسلة الإذاعات الأجنبية، وكان الترانزستور رفيقًا دائمًا في كثير من البيوت.
وكانت العلاقات الإنسانية أكثر تحفظًا؛ فقد يعرف الشاب بنت الجيران ويحبها، لكنه يعرف أيضًا معنى الاحترام والحدود، فلم تكن المشاعر بحاجة إلى ضجيج حتى تكون صادقة.
هذا الجيل ذاق مرارة الهزيمة عام 1967، ثم عاش فرحة الانتصار في أكتوبر 1973، وعاش سنوات من الحروب والأزمات والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه ظل قادرًا على الاستمرار، وبناء الأسرة، والعمل، وتحمل المسؤولية.
ومع مرور السنوات، أصبحت السعادة بالنسبة للكثيرين منهم أكثر هدوءًا؛ جلسة في البيت، وصورة قديمة، وخطاب احتفظوا به لعشرات السنين، وأغنية تعيدهم إلى زمن بعيد، وذكرى تحمل رائحة أشخاص وأماكن لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
إنه جيل لا يستعيد الماضي ليهرب من الحاضر، وإنما يستعيده لأنه يعرف قيمة ما عاشه، ويعرف أن بعض الذكريات لا يملك الإنسان رفاهية نسيانها.
أفتخر أنني من جيل الخمسينيات؛ جيل عاش زمنًا مختلفًا، وعاصر أحداثًا كثيرة، واحتفظ رغم كل شيء بقدرته على الحب والصبر والعطاء.
دمتم بكل ود وخير، وإلى لقاءٍ آخر.. إن كان في العمر بقية.
