رغم كل شيء
بقلم: أحمد مختار
هناك أيام يظن الإنسان فيها أن كل شيء انتهى، وأن الأبواب أغلقت، وأن التعب صار أكبر من احتماله. أيام يتثاقل فيها القلب، وتبهت الألوان، ويصبح مجرد عبور اليوم انتصاراً صغيراً لا يراه أحد. أيام ينظر فيها الإنسان حوله فلا يرى إلا ما فقده، ولا يسمع إلا ضجيج القلق، ولا يشعر إلا بثقل الحياة فوق كتفيه.
لكن الحقيقة التي نكتشفها بعد كل عاصفة، أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تمد لنا يدها في هدوء، وما زال الله يخبئ لنا من رحمته ما يكفي لنبدأ من جديد.
نقضي أعمارنا أحياناً نطارد أشياء نظن أنها مفتاح السعادة، فإذا وصلنا إليها اكتشفنا أنها لم تكن سوى سراب جميل. نؤجل الفرح حتى نحصل على المزيد، ونؤجل الراحة حتى تنتهي المشكلات، ونؤجل الحياة نفسها إلى وقت آخر لا يأتي أبداً.
ثم فجأة، وفي لحظة صادقة مع النفس، نكتشف أن أجمل ما في الحياة لم يكن بعيداً عنا يوماً.
كان في التفاصيل الصغيرة التي مررنا عليها دون انتباه.
في قعدة هادئة على النيل وقت الغروب، عندما تهدأ الأصوات ويبدأ القلب في سماع نفسه.
في نسمة خفيفة تمر على وجهك بعد يوم طويل من الحر والتعب وكأنها رسالة رحمة من السماء.
في ضحكة خرجت من قلب طفل دون حسابات ولا مصالح.
في جلسة عائلية بسيطة لا يوجد فيها شيء استثنائي سوى المودة.
في كتاب يأخذ بيدك بعيداً عن صخب الدنيا.
في أغنية قديمة تعيد إلى روحك جزءاً ظننت أنك فقدته إلى الأبد.
وفي لحظة سجود خاشعة، تضع فيها الدنيا كلها خلف ظهرك، وتقول من أعماق قلبك: يا رب.
ما أعجب الإنسان.
قد يمتلك أشياء كثيرة ويشعر بالفقر.
وقد يملك القليل جداً ويشعر بالامتلاء.
لأن القضية لم تكن يوماً فيما تضعه في جيبك، بل فيما تحمله داخل قلبك.
فالقلوب لا تشبع بالمال وحده، ولا تهدأ بالمناصب، ولا تطمئن بكثرة الممتلكات.
الروح لها احتياجات أخرى.
تحتاج معنى.
وتحتاج محبة.
وتحتاج طمأنينة.
وتحتاج أن تشعر أن لحياتها قيمة تتجاوز مجرد الأكل والشرب والجري خلف الالتزامات اليومية.
ولهذا كان القرب من الله دائماً هو الملاذ الأخير والأول في الوقت نفسه.
حين تضيق الدنيا، يتسع باب الله.
وحين تخذلك الأسباب، تبقى رحمته.
وحين لا تجد من يفهم ما بداخلك، يكفي أنه سبحانه يعلم.
في لحظة سجود صادقة قد يخرج من قلبك من الألم ما عجزت عن إخراجه بالكلام سنوات طويلة.
وفي دعوة خافتة لا يسمعها أحد قد يولد أمل جديد لم تكن تتوقعه.
لأن الله أكبر.
أكبر من المشكلة التي تخيفك.
وأكبر من الحزن الذي يسكنك.
وأكبر من الخسارة التي كسرتك.
وأكبر من المستقبل الذي يقلقك.
وأكبر من كل تلك التفاهات التي تستنزف أعصابنا وأعمارنا وتجعلنا ننسى حقيقة وجودنا.
لكن هناك باباً آخر للنجاة من الأحزان لا ينتبه إليه كثير من الناس.
أن تخرج من دائرة نفسك.
أن تتوقف قليلاً عن عدّ جروحك، وتنظر إلى جراح الآخرين.
أن تمد يدك لإنسان يحتاج المساعدة.
أن تقترب من الناس الذين أنهكتهم الحياة أكثر مما أنهكتك.
اذهب إلى مريض ينتظر كلمة طيبة.
اجلس مع عجوز يشتاق إلى من يسمعه.
امسح دمعة يتيم.
ساعد محتاجاً دون أن يعرف اسمك.
خذ بيد إنسان فقد الأمل.
ازرع شجرة قد لا تجلس تحت ظلها أبداً.
افعل شيئاً جميلاً لوجه الله فقط.
ستكتشف بعدها أن شيئاً بداخلك بدأ يتغير.
ستشعر أن همك أصبح أخف.
وأن قلبك أصبح أوسع.
وأن الحياة ليست بهذا السوء الذي كنت تتخيله.
فالإنسان حين يشارك الناس آلامهم، تتغير نظرته إلى نفسه وإلى الدنيا كلها.
قلقه يغرق وسط قلقهم.
ووجعه يذوب وسط أوجاعهم.
ويكتشف أن هناك من يحمل أعباء أثقل بكثير مما يحمل، ومع ذلك ما زال يبتسم ويحمد الله.
الحياة ليست عادلة دائماً.
وليس كل ما نتمناه يتحقق.
وليست كل النهايات سعيدة.
هناك فراق لا يعوض.
وهناك خيبات لا تنسى.
وهناك أحلام تموت قبل أن تولد.
لكن رغم ذلك كله، تبقى الحياة جديرة بأن تعاش.
لأن فيها أماً تدعو لك في الخفاء.
وصديقاً صادقاً يقف بجوارك حين يرحل الجميع.
وطفلاً يضحك فتضحك الدنيا معه.
وشروق شمس جديد كل صباح يقول لك إن الفرصة ما زالت موجودة.
وفيها باب لا يغلق أبداً بينك وبين الله.
مهما أخطأت.
ومهما تعثرت.
ومهما ضعفت.
ومهما ظننت أن المسافة بعيدة.
سيظل الباب مفتوحاً.
ولهذا لا تجعل لحظة حزن تقنعك أن العمر كله حزن.
ولا تجعل خيبة واحدة تقنعك أن الدنيا كلها خيبات.
ولا تجعل خسارة عابرة تنسيك النعم التي ما زالت تحيط بك من كل اتجاه.
انظر حولك بهدوء.
ستجد أن الله ما زال يرسل إليك رسائل رحمته كل يوم.
في صحة تتمتع بها.
وفي شخص يحبك.
وفي سقف يأويك.
وفي نعمة اعتدت وجودها حتى نسيت أن تشكره عليها.
الحياة ليست كاملة.
ولن تكون كاملة أبداً.
لكنها، رغم كل شيء، تستحق أن نعيشها بقلب ممتن.
بقلب يعرف الرحمة.
ويعرف الحب.
ويعرف معنى السجود.
ويعرف الطريق إلى الله.
وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يكتشف حقيقة بسيطة جداً، لكنها تغير كل شيء:
أن السعادة لم تكن مختبئة في مكان بعيد.
كانت دائماً قريبة.
قريبة إلى الحد الذي جعلنا لا نراها.
وكانت تنتظر فقط أن نتوقف قليلاً…
لننظر إليها.
