” آسف يا نفسي.. حين اكتشفت أن أكثر من ظلمته كان أنا”
بقلم: أبو يوسف محمد مجاهد
عشتُ سنواتٍ طويلة أخشى أن أُحزن أحدًا، وأسارع دائمًا حتى لا أُخيّب ظن أحد بي. كنتُ أُقدّم راحتي وصحتي ووقتي قربانًا لإرضاء الآخرين، وأتحمّل فوق طاقتي حتى لا أُثقل على أحد أو أكسر بخاطره.
كنتُ دائمًا ذلك الشخص الذي يسند الجميع، ويحتوي أخطاءهم، ويغفر زلاتهم، ويكتم أوجاعه في صدره. كنتُ السند للآخرين، بينما كنتُ أترك نفسي وحيدة بلا سند.
لكنني تعلّمت، وإن كان ذلك متأخرًا، أن المثالية المفرطة مع من لا يعرفون إلا الأخذ ليست فضيلة دائمًا، وأن من يعتاد التضحية بنفسه لأجل الجميع قد يجد نفسه في النهاية أول من يُهمل وآخر من يُقدَّر.
وحين جلستُ يومًا أراجع سنوات عمري، وأُحاسب نفسي بصدق، اكتشفت الحقيقة الأكثر مرارة: لم أخسر أحدًا بقدر ما خسرت نفسي، ولم أظلم إنسانًا كما ظلمت نفسي حين حرمتها حقها في الراحة والتقدير والحب.
لذلك حان الوقت لأقول الكلمة التي تأخرت كثيرًا:
أنا آسف يا نفسي..
آسف لأنني حمّلتكِ ما لا طاقة لكِ به، وآسف لأنني كنتُ أبحث عن رضا الجميع بينما كنتُ أتجاهل احتياجاتكِ وحقوقكِ.
والحقيقة التي تعلّمتها أيضًا أن بعض الناس لا يبتعدون عنك بسبب عيوبك، بل أحيانًا بسبب مميزاتك. فهناك من لم يعتد الصدق، ولم يألف نقاء المشاعر، ولم يعرف معنى المحبة الخالصة من المصالح.
فالصدق عندك ليس تصرّفًا عابرًا، بل خُلُقٌ أصيل. ومشاعرك الصادقة ليست تمثيلًا أو ادعاءً، بل هي انعكاس لقلبٍ نقي وتربيةٍ طيبة. لكن المشكلة أن ليس كل الناس قادرين على فهم هذه اللغة.
فبعضهم عاش طويلًا بين الأقنعة والمصالح والعلاقات المشروطة، حتى أصبح الصدق بالنسبة إليه أمرًا غريبًا، والنقاء شيئًا يصعب تصديقه. لذلك حين يلتقي بشخص صادق المشاعر، نقي القلب، يبحث عن العيب بدل أن يقدّر الجمال.
ومن اعتاد الزيف قد لا يعرف قيمة الصدق، ومن ألف العلاقات المصلحية قد لا يفهم معنى العطاء بلا مقابل. لكن هذا لا ينتقص من قيمة الطيبين، بل يكشف الفرق بين من يحمل قلبًا حقيقيًا ومن اعتاد الأقنعة.
لذلك لا تعتذر عن طيبتك، ولا تخجل من نقاء قلبك، لكن تعلّم أن تمنح نفسك من الحب والتقدير بقدر ما تمنحه للآخرين، فالنفس التي أنهكها العطاء تستحق أن تنال نصيبها من الرحمة والاهتمام.
