24 قيراط من الرزق عدل الله بين الحقيقة والمجاز
بقلم: احمد مختار
في عالم تتفاوت فيه الامور بين الفرح والحزن، الغنى والفقر، الصحة والمرض، يظل سؤال الرزق احد اكثر الاسئلة التي تثير فضول البشر. تقول الحكمة الشعبية ان الارزاق مقسومة اربعة وعشرين قيراطا لكل انسان، لا يزيد احد ولا ينقص، لكن القسمة تختلف في نوعها بين الناس. هذه الجملة ليست نصا دينيا ولا حقيقة علمية، لكنها صورة رمزية تحمل معنى عميقا عن عدل الله وحكمته في توزيع الارزاق.
لم يرد في القرآن او السنة اي ذكر لرقم اربعة وعشرين قيراطا. لكن القران الكريم يؤكد ان التفاوت في الارزاق سنة الهية: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. فالعدل الالهي لا يعني المساواة المطلقة، بل يعني اعطاء كل انسان ما يناسبه ويختبره. وقد يهب الله انسانا مالا وفيرا لاختبار كرمه وصبره، ويمنح آخر قلبا راضيا رغم ضيق الحال لاختبار ثقته وحسن ظنه، وقد يرزق ثالثا علما ومعرفة لا يمكن شراؤها، ورابعا صحة وعافية تغنيه عن كل ما في الدنيا من ذهب، وكل هذه النعم تدخل في حساب نصيب الانسان.
ولتوضيح فكرة الارزاق المتفاوتة، دعونا نرى بعض الامثلة الواقعية. هناك رجل غني يملك المال والسلطة لكنه يعيش وحيدا بلا حب ولا اصدقاء. وقد يكون قلب فقير يعيش في منزل صغير لكنه محاط بالحب والطمأنينة. وهنا يظهر قيراط الحب والراحة النفسي اهم من قيراط المال. وهناك مريض شفي من مرض عضال بعد صبر طويل، بينما آخر يعيش في صحة ظاهرة لكنه يعاني من هم داخلي لا يراه احد. كل قيراط من هذه الارزاق يختلف في الشكل والقيمة لكن الاجمالي يكمل نصيب الانسان كما كتب له الله.
فكرة الارزاق اربعة وعشرين قيراطا، اذا نظرنا اليها بعين المجاز، هي تعبير عن التوازن الذي خلقه الله. فهي تذكر الانسان بان ما يراه نقصا في حياته قد يكون تعويضا بنعمة اخرى لا يراها او لا يقدر قيمتها. فالعدل لا يقاس بالمظاهر، بل بالحكمة والنتيجة النهائية لكل انسان في هذه الدنيا. والارزاق ليست مجرد مال او منصب او سلطة، بل هي مجموعة متكاملة من الفرص والقدرات والصحة والعلاقات والذرية والطمأنينة النفسية والدعاء المستجاب.
تخيل انسانا فقد وظيفته لكنه اكتشف مواهبه الخفية في التعليم او الفن او الكتابة، ليعيش حياة مليئة بالنجاح الشخصي والرضا الداخلي. وتخيل اخر حصل على المال لكنه فقد صحته او راحة قلبه، وهنا يظهر ان قيمة القيراط ليست في العدد بل في المعنى والحكمة. وكل انسان يعيش نصيبه من الارزاق بطريقة تختلف عن غيره لكنه كامل ومكتمل كما اراده الله.
حين يفهم الانسان ان الارزاق ليست ارقاما ثابتة ولا نقودا يمكن عدها، بل مقادير حكيمة ومتنوعة، تهدأ نفسه ويزول الحسد والندم. لن يحسد انسان من اوتي مالا او منصبا، ولن يندم على ما فات، لان نصيبه مكتمل ومتنوع كما كتب الله. الرضا لا يأتي من المساواة بين الناس، بل من اليقين بان نصيب كل واحد مكتمل مهما اختلف عن نصيب غيره.
في النهاية فان مقولة الارزاق اربعة وعشرين قيراطا ليست حقيقة مادية، بل رمز جميل يوضح حكمة الله في التوزيع والاختلاف والتنوع. كل انسان يعيش داخل دائرة الارزاق التي كتبها الله باسمه يجد نصيبه مكتمل رغم اختلاف القيراط عن غيره. وكل من فهم هذا عاش مطمئنا يرى في كل اختلاف حكمة وفي كل نصيب عدلا وفي كل قيراط رزقا مكتوبا باسمه قبل ان يخلق.
وهكذا تتحول الحكمة الشعبية الى درس عميق: الفرق بين الناس في المال او الصحة او المكانة ليس ظلما بل تكاملا وحكمة، وان كل انسان مهما بدا ناقصا في عين الناس فهو كامل في ميزان الارزاق الذي قسمه الله بدقة متناهية. وكل قيراط من الرزق مهما بدا صغيرا او مختلفا هو نعمة عظيمة تستحق التقدير والامتنان.
