Nepras ELSalam News

كل ما سوى الله مخلوق

13

كل ما سوى الله مخلوق

بقلم: أحمد مختار

حين نتأمل هذا الوجود الفسيح بكل ما فيه من سماوات وأرضين، وبحار وجبال، وأنهار وكواكب، وملائكة وبشر، وأفكار ومشاعر، نصل إلى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: كل ما سوى الله مخلوق. هذه الجملة القصيرة تختصر فلسفة الخلق، ومعنى الوجود، وحدود العقل الإنساني أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

 

إنها ليست عبارة لغوية أو مقولة تأملية فحسب، بل هي قاعدة وجودية كبرى، تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وتُرسي في النفس التواضع أمام الحقيقة المطلقة: أن الله وحده هو الخالق القديم الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، وكل ما عداه حادث مخلوق بإرادته وقدرته.
فالسماء التي تظلنا، والأرض التي تقلنا، والنجوم التي تُزين الأفق، كلها كانت عدمًا فأوجدها الله بكلمة منه: كن. والمخلوقات كلها، من أدناها إلى أعلاها، خُلقت لحكمة، وأُبدعت بتقدير، وأُحييت بأمر من الله، ثم تُفنى بإذنه. أما هو سبحانه، فلا يعتريه فناء، ولا يسبقه عدم، ولا يلحقه نقص، ولا يشبهه شيء من خلقه، لأن الخالق لا يُشبه المخلوق، والمخلوق لا يبلغ كمال الخالق.

 

حين يدرك الإنسان أن كل ما حوله مخلوق، يزول عنه الغرور، ويتلاشى شعوره بالاستغناء. يعلم أن علمه محدود، وقدرته ناقصة، وأن ما يملك من مال أو سلطان أو علم ليس له من ذاته، بل هو عطاء مؤقت من الخالق جل جلاله. وحينها يتبدل ميزان القلب: فلا يُعجب بنفسه، ولا يتكبر على خلق الله، بل يعيش في رحاب التوحيد الحق، خاشعًا، شاكرًا، متصلًا بالمصدر الأول لكل وجود.

والفلاسفة والعلماء، مهما بلغوا من الفهم، يقفون أمام هذه الحقيقة مبهورين. فالقوانين التي تحكم الكون، والطاقة التي تُحرك الذرات، والمجرات التي تسبح في الفضاء، كلها تشهد أن وراءها قوة عاقلة حكيمة، ليست جزءًا من الكون، بل هي التي أوجدته من العدم، ونظمته بنظام دقيق لا يختل. تلك القوة هي الله، الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
إن الإيمان بأن كل ما سوى الله مخلوق ليس مجرد اعتقاد نظري، بل هو منهج حياة. يجعل الإنسان يرى الأشياء كما هي، لا كما توهمه نفسه أو تزين له الدنيا. فيحبّ الناس لأنهم مخلوقات لله، ويعفو لأن الرحمة من صفات الخالق، ويعمل لأنه مأمور بالعمارة والتزكية، لا بالعبث والفساد.

وحين تمرّ عليه المصائب، يهدأ قلبه، لأنه يعلم أن كل ما يجري هو تقدير من خالق حكيم. فكما خلق الكون بنظام، خلق الابتلاء بميزان. فلا يجزع من فوات رزق، ولا يطغى عند النعمة، لأن كليهما من مخلوقات الله، والعبد إنما يُمتحن بهما.
كل ما نراه أو نحسه أو نتصوره مخلوق: الفكر مخلوق، والزمان مخلوق، والمكان مخلوق، حتى النفس التي تدرك هذه المعاني مخلوقة. وحده الله هو الخالق غير المخلوق، الأزلي غير الحادث، الكامل غير الناقص، القادر غير العاجز.
ومن هنا نفهم معنى العبودية الحقيقية، التي هي تحرر من التعلق بالمخلوقات، وتوجّه كامل نحو الخالق. فكلما زاد يقين الإنسان بهذه الحقيقة، ازداد صفاءً وطمأنينة، لأنه لم يعد يرى في الوجود إلا الله، ولم يعد يتعلق إلا به، ولم يعد يطلب إلا وجهه الكريم.

إنها كلمة واحدة، لكنها تُغير الكون في قلبك:
كل ما سوى الله مخلوق.
فاحفظها في وجدانك، وكرّرها حين تضعف، وذكّر بها نفسك حين تُغريك الدنيا، لأنها المفتاح الذي يربطك بالأبد، ويحررك من أسر الفناء.

“الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل.”

 

كل ما سوى الله مخلوق

— أحمد مختار

Leave A Reply

Your email address will not be published.