حين يخسر الإنسان نفسه.. يكون قد خسر كل شيء
بقلم: أحمد مختار
في حياة كل إنسان ثلاث خسارات كبرى، تختلف في أثرها وعمقها ودرجة اهتزازها للروح.
خسارة المال، وخسارة الصحة، والخسارة الأخطر: خسارة الشخصية.
كثيرون يظنون أن المال هو محور الحياة، وأن فقدانه هو أكبر المصائب.
لكن المال مهما كان مهمًا، يظل الشيء الوحيد الذي يذهب ويعود، ويزيد وينقص، ويتغير في ليلة واحدة.
المال ليس ثابتًا، وليس جزءًا من هوية الإنسان.
إنه مجرد وسيلة، لا يصنع قيمة حقيقية ولا يرفع إنسانًا بلا مبدأ، ولا يشوه إنسانًا صادقًا.
لهذا، حين تخسر مالك، فأنت في الحقيقة لم تخسر شيئًا جوهريًا.
لقد خسرت أداة… لا أكثر.
الصحة أمر أعظم.
في اللحظة التي يختل فيها الجسد، تنكشف هشاشة الإنسان، ويدرك فجأة أن القوة التي كان يظنها دائمًا مجرد نعمة مؤقتة.
الصحة حين تتراجع، يتراجع معها جزء من طاقة الروح، ويضيق العالم، وتثقل أبسط الأشياء.
ورغم ذلك، تظل الصحة قابلة للتعافي، وقابلة للتعامل، وقابلة للتكيّف مع الزمن.
فقدانها مؤلم… لكنه ليس هزيمة نهائية.
كم من إنسان واجه مرضه، وانتصر عليه أو تعايش معه، وبقي قلبه كبيرًا، وروحه ثابتة.
ثم تأتي الخسارة الثالثة… الخسارة السرية… الخسارة التي لا تُرى ولا تُسمع، لكنها الأخطر:
خسارة الشخصية.
الشخصية هي مجموع قيمك، مواقفك، كلمتك، أخلاقك، ضميرك، قدرتك على الوقوف على الحق مهما كانت الرياح.
هي معدن الإنسان الذي يلمع في الظلام، وتعرفه في المواقف الصعبة.
هي الشيء الذي لا يشتريه مال، ولا تمنحه شهرة، ولا تمنحه سلطة.
الشخصية إذا سقطت، سقط معها كل شيء.
إذا تضعضعت، تهاوت معها أي قيمة كنت تظن أنك تملكها.
لأن الشخص الذي يفقد قيمه، لم يعد يملك نفسه، ولا يستطيع احترام ظله حين يراه.
الخسارة الحقيقية ليست في أن تُجرد من مالك… بل أن تتجرد من مبادئك.
ليست في أن يضعف جسدك… بل أن يضعف قلبك أمام رغبة أو خوف.
ليست في أن تخسر ما تملك… بل أن تخسر ما أنت عليه.
الشخصية ليست مجرد سلوك خارجي، بل هي عمود الروح.
هي ما يبقى منك حين ينتهي كل شيء آخر.
حين يغادر الناس، حين تتغير الظروف، حين يكبر العمر، حين يرحل المال، حين يمرض الجسد… تبقى هي الشاهد الوحيد على حقيقتك.
كم من إنسان فقير، لكنه غني بقيمه، يمشي بين الناس مرفوع الرأس لأنه لم يتنازل.
وكم من إنسان ثري، لكنه خاوٍ من الداخل، يخاف من نفسه قبل أن يخاف من الآخرين.
الشخصية هي الستر الحقيقي للإنسان.
إذا بقيت سليمة، سترت كل سقطاتك، وكل ضعفاتك، وكل تعثرك.
وإذا فسدت، كشفت كل ما تحاول إخفاءه.
لهذا قال الحكماء:
خسارة المال يمكن تعويضها… وخسارة الصحة يمكن إدارتها… لكن خسارة الشخصية لا تعويض لها.
قد تمر عليك أيام صعبة، تضعك الحياة فيها على الحافة، تفقد فيها جزءًا مما تملك أو مما تحب.
لكن طالما أنك لم تخسر نفسك، فأنت ما زلت بخير.
ما زلت قادرًا أن تبني، وتنهض، وتبدأ من جديد.
الإنسان الذي لا يبيع مبادئه، لا يخسر مهما خسر.
ومن يحافظ على شخصيته، يحافظ على كل شيء.
لأن أعظم مكسب في الحياة ليس ما تملكه… بل من تكونه.
