Nepras ELSalam News

حين تنكشف لك حقيقة الدنيا… وتنكشف أنت لنفسك

6

حين تنكشف لك حقيقة الدنيا.. وتنكشف أنت لنفسك

 

بقلم: أحمد مختار

يقولون إن الإنسان لا يفهم الدنيا حقًا إلا إذا زار ثلاثة أماكن: المستشفى، والسجن، والمقابر.
لكن الحقيقة أن هذه الأماكن الثلاثة لا تُعلّمك عن الحياة فقط، بل تُعلّمك عن نفسك… وتكشف لك ما كنت تخفيه عن ذاتك وأنت لا تدري.

المستشفى… حيث ترى ما هو أغلى من كل ما تملك

في المستشفى، تتوقف الضوضاء.
تجلس أمام الحقيقة دون مكياج، دون تبرير، دون ستار.
ترى رجلًا كان يلهث وراء رزقه بالأمس، واليوم ينتظر جرعة دواء ليقدر أن يقف.
ترى امرأة كانت تملأ البيت ضحكًا وصوتًا، واليوم لا تقوى على رفع يدها.
وترى طفلًا لم تكتمل حياته بعد… ومع ذلك يعيش معركة ليست بحجمه.
هناك فقط… تعرف أنك كنت تنام على نعمة لا تشعر بها.
تدرك فجأة أن الصحة ليست حقًّا مضمونًا… وأن عافيتك أغلى من كل ما ظننت أنه ثمين.
وتفهم المعنى العميق للجملة:
لا الصحة تدوم.
ولو دامت… ما كان في المستشفى مريض واحد.
ولهذا يخرج الإنسان من هذا المكان بقلب آخر.
قلب يعرف قيمة النَفَس… وقيمة القدرة على الوقوف… وقيمة أن تملك جسدًا لا يخونك.

السجن… حيث تسقط كل الأقنعة

السجن ليس جدرانًا حديدية فقط.
السجن درس… درس يعرّيك من كل شيء ظننت أنه يحميك.
هناك ترى صاحب المنصب، الذي كانت الأبواب كلها تُفتح له… يقف الآن خلف باب لا يُفتح إلا بأمر الحارس.
وترى من كان يملك المال والعزّ… يجلس في زاوية مكسورًا، يبحث عن فرصة ليبدأ من جديد.
وترى المظلوم… ينتظر كلمة حق.
وترى المذنب… يحاسب نفسه أكثر مما يحاسبه القانون.
هناك تتعلم أن
لا الملك يدوم، ولا المنصب يدوم، ولا الظلم يدوم.
يتغير كل شيء… وكل شيء زائل مهما طال.
وتخرج من السجن — سواء كنت أنت الزائر أو المبتلى — وأنت تعرف أن الحرية ليست حركة… بل روح.
وأن الخطأ الصغير قد يكسر مستقبلًا كاملًا…
وأن العدل نعمة… وأن الظلم مهما صعد، فهو مؤقت، مؤقت فقط.

المقابر… المكان الذي يصمت فيه كل شيء إلا الحقيقة

حين تدخل المقابر… لا تسمع صراخًا ولا شكوى.
ولا ترى تفاوتًا بين غني وفقير، ولا بين صاحب جاه وصاحب حاجة.
الكل تحت التراب…
الكل يعود إلى حجم واحد…
وتعود أنت إلى نفسك.
هناك تسمع الرسالة التي لا يسمعها إلا من هدأ قلبه:
ولا الدنيا بأكملها تدوم.
تتساءل فجأة:
لماذا شغلت نفسي بمن لا يستحق؟
لماذا أرهقت قلبي بحسد، أو كره، أو مقارنة؟
لماذا ركضت خلف أشياء سأتركها مهما طال عمري؟
وهنا يتضح معنى الدعاء الذي نردده كثيرًا دون أن نفهم عمقه:
اللهم احفظ لنا نعمك، ودوام عافيتك، وحسن خاتمتك.

الدنيا… ليست كما نظن

بعد دروس المستشفى، والسجن، والمقابر…
لن ترى الحياة كما رأيتها من قبل.
ستعرف أن:

المال نعمة… لكنه لا يُعيد روحًا إلى الجسد.

المنصب قوة… لكنه لا يقف أمام الموت.

الجاه مقام… لكنه لا ينفع صاحبه ساعة الحقيقة.

الصحة تاج… لكنه يُرفع في لحظة.

والنعمة… زائرة تحتاج شكرًا حتى تبقى.

وعندها ستفهم أن أعظم شيء في الحياة هو:
رضا الله، وراحة البال، وضمير لا يؤلمك، وقلب لا يحمل حقدًا، وخاتمة طيبة.

الدروس التي تُغيّر الإنسان للأبد

حين يتعلّم الإنسان هذه الحقائق، يتغير من الداخل بلا ضجيج.
يصبح أكثر لينًا، أكثر هدوءًا، أكثر تقديرًا للنعم.
يتوقف عن مقارنة نفسه بالناس.
يتوقف عن الحقد.
يتوقف عن الجري خلف ما لا يستحق.
يصبح أثقل… لكن ليس همًّا… بل وعيًا.
ويصبح أقوى… لكن ليست قوة الصوت… بل قوة القلب.
ويصبح أكثر قربًا من الله… لأنه فهم حقيقة الدنيا أخيرًا.

الخلاصة…

هذه الأماكن الثلاثة ليست مجرد نقاط على خارطة الحياة.
هي أبواب وعي…
يدخلها كل من يريد أن يرى الدنيا بحجمها الحقيقي، لا بحجم أوهامه.
وحين تراها بقلب صادق… لن تعود كما كنت.
ستعرف أنك ضيف… وأن الرحلة قصيرة… وأن البقاء ليس هنا.
وأن أهم الدعاء هو:
اللهم العافية، ودوام النعمة، وحسن الخاتمة.
وبعدها… تبدأ حياة جديدة.
أهدأ… أعمق… وأكثر معنى.

 

حين تنكشف لك حقيقة الدنيا… وتنكشف أنت لنفسك

Leave A Reply

Your email address will not be published.