الناس يتغيّرون
بقلم: أحمد مختار
هذه حقيقة لا تحتاج برهانًا ولا دليلًا؛ يكفي أن تنظر حولك، أو تنظر داخل قلبك، لتكتشف أن ما كان بالأمس ليس هو ما هو عليه اليوم. لا أحد يبقى كما هو. تتبدل مشاعرنا، وتختلف رؤيتنا، وتتغير أولوياتنا، وتتساقط العلاقات كما تسقط أوراق الشجر حين يحين وقت سقوطها. أحيانًا يكون التغيّر مؤلمًا لأنه يفاجئنا، وأحيانًا يكون منقذًا لأنه يحررنا من شيء كان يثقل أرواحنا دون أن ندري.
اليوم يحبك أحدهم، يغدق عليك كلامًا واهتمامًا، تشعر أنه لا يرى في الدنيا غيرك. وغدًا… يغمرك الصمت من جهته، ويقف بينكما فراغ لم يكن موجودًا. وبعد الغد ربما يصبح وجودك بالنسبة إليه عاديًا، أو زائدًا، أو غير ضروري أصلًا. ليس الأمر دائمًا خيانة، ولا جحودًا، ولا سوء نية. البشر ببساطة يتغيرون وفق ما يمرّون به، وفق ما يكتشفونه عن أنفسهم، وفق ما يتعلمونه من الحياة.
وهنا تظهر أهمية أن يكون قلبك ثابتًا دون أن يكون قاسيًا، وواعيًا دون أن يكون متشككًا، وحذرًا دون أن يكون خائفًا. أنت لست مطالبًا بأن تحبس حبك أو صدقك أو عطائك، لكنك مطالب بأن تترك مساحة لنفسك كي لا تُكسَر إذا تغيّر الآخرون. أن تحب في حدود العقل، وتعطي في حدود الطاقة، وتثق دون أن تلغي بصيرتك. هذا هو الاتزان الذي يجعل الإنسان سليمًا مهما تحركت الأرض من حوله.
الوقوف وحدك في بعض المواقف ليس هزيمة، بل رجولة نفسية. أن تبقى واقفًا ولو تركك من كنت تظن أنه لن يتركك. أن تستمر ولو انسحب من ظننت أنه سندك. أن تتحمل وخز الحقيقة دون أن تتحول إلى كائن بارد لا يثق بأحد. إنك أقوى مما تظن، وقدرتك على النهوض وحدك أكبر مما تتخيل، وكل مرة تنجو فيها بمفردك تزداد روحك صلابة ووضوحًا.
لا بد أن تفهم أن الحياة ستأخذ منك أشخاصًا، وستعطيك غيرهم. ستغلق أبوابًا، وستفتح أبوابًا أخرى لم تكن تتوقعها. ستجد نفسك في لحظات واقفًا على حدود الوجع، وفي لحظات أخرى واقفًا على حدود النجاة. وما بين الوجع والنجاة ستنضج، وستعرف معنى أن تعتمد على نفسك أولًا، وعلى الآخرين بدرجة محسوبة، دون أن تجعل وجودك مرهونًا بهم.
نحن نتغير أيضًا. اليوم نصبر على شيء، وغدًا لا نقوى عليه. اليوم نتمسك بشخص، وغدًا نفلت يده بإرادتنا. اليوم نخاف الوحدة، وغدًا نكتشف أنها كانت حماية أكثر منها عزلة. لذلك لا تلوم من تغيّر، ولا تُقسِ على نفسك لأنك تغيّرت. هذه سنة الحياة: لا شيء يبقى كما هو، وكل شيء يمضي نحو شكل آخر.
وفي النهاية، يبقى الثبات الحقيقي شيئًا واحدًا: أن تعرف قيمتك دون ضجيج من أحد. أن تمنح قلبك لمن يستحق، لا لمن تعوّدته. أن تفهم أن الناس يتغيرون، لكنك أنت مسؤول عن كيف تتعامل مع هذا التغيّر. عش بصدق، وامنح بحكمة، وابرُد أمام الصدمات دون أن تتجمد، وابتسم حتى لو كان الطريق خاليًا من الرفاق… لأن الذين رحلوا تركوا مساحة لمن سيأتي، ولأنك مهما مالت بك الحياة، ستظل قادرًا على الوقوف إذا قررت أن تقف.
