Nepras ELSalam News

الدين الإبراهيمي والدولة الإبراهيمية: قراءة في مشروع إعادة تشكيل المنطقة والوعي

1

الدين الإبراهيمي والدولة الإبراهيمية: قراءة في مشروع إعادة تشكيل المنطقة والوعي

بقلم: أحمد مختار

لم تكن منطقة الشرق الأوسط يومًا بعيدة عن محاولات إعادة التشكيل، لكنها في السنوات الأخيرة باتت تواجه نمطًا أكثر تعقيدًا وخطورة من ذي قبل. فبعد أن اعتادت شعوب المنطقة على رؤية هذه المحاولات في صورة حروب مباشرة أو تدخلات سياسية صريحة، ظهر مسار مختلف يعتمد على الأفكار والمصطلحات وإعادة تعريف المفاهيم الكبرى، وفي مقدمتها الدين والهوية وطبيعة الصراع نفسه. هذا المسار لا يسعى إلى فرض الوقائع بالقوة، بل إلى جعلها مقبولة ذهنيًا قبل أن تصبح مفروضة عمليًا.

في هذا السياق برز الحديث عما يُعرف بـ«الدين الإبراهيمي» و«الدولة الإبراهيمية»، وهو طرح يُقدَّم في ثوب إنساني يدعو إلى التعايش والسلام، ويستند إلى فكرة الأصل المشترك للديانات الثلاث، من خلال التركيز على شخصية النبي إبراهيم عليه السلام باعتباره جامعًا رمزيًا بينها. ووفق هذا التصور، فإن الصراعات التي أنهكت المنطقة يمكن تجاوزها إذا ما أُعيد النظر إليها بوصفها خلافات تاريخية ودينية قابلة للإدارة لا قضايا سياسية وحقوقية جوهرية.

غير أن هذا التحول في توصيف الصراع ليس مسألة لغوية أو فكرية عابرة، بل يمثل تغييرًا عميقًا في زاوية النظر. فعندما يُعاد تعريف الصراع، تُعاد صياغة أسبابه ونتائجه، ويتحول من قضية احتلال وحقوق إلى أزمة فهم متبادل، ومن معركة على الأرض والهوية إلى خلاف ثقافي يمكن احتواؤه بالحوار. وهنا يكمن جوهر الخطورة، لأن تغيير المفاهيم يسبق دائمًا تغيير الوقائع.

التاريخ الحديث يخبرنا أن المشروعات الكبرى لا تُفرض فجأة، بل تمر بمراحل متدرجة تبدأ بإطلاق الفكرة في إطار بحثي أو ثقافي، ثم تتوسع عبر الإعلام والمبادرات الرمزية، إلى أن تتحول إلى سياسات واتفاقيات، ثم إلى واقع يصعب الاعتراض عليه.

وهذا ما يمكن ملاحظته في المسار الذي سلكته الأفكار المرتبطة بالمشروع الإبراهيمي، حيث انتقلت من أطروحات فكرية إلى خطوات سياسية واقتصادية، قُدِّمت باعتبارها ضرورات للسلام والاستقرار.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة، فالشرق الأوسط ليس مجرد مساحة جغرافية، بل مركز ثقل عالمي من حيث الطاقة والممرات الملاحية والموقع الجيوسياسي.

 

ومن هنا، فإن أي مشروع لإعادة تنظيم المنطقة، حتى لو غُلّف بخطاب ديني أو إنساني، يحمل في داخله إعادة توزيع لموازين النفوذ، ويخدم مصالح قوى كبرى تسعى إلى إدارة المنطقة لا حل أزماتها جذريًا.

أما البعد الديني، فهو الأكثر حساسية وتعقيدًا. فالدعوة إلى الحوار والتعايش قيمة أصيلة في الإسلام، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الحوار إلى محاولة لاختزال الأديان في قواسم عامة، مع تهميش الخصوصيات العقدية لكل دين. فالإسلام ليس مجرد منظومة أخلاقية أو تراث ثقافي، بل وحي إلهي متكامل، له عقيدته وشريعته وعباداته الواضحة. والصلاة، والحج، والعمرة، والكعبة المشرفة، ليست رموزًا قابلة لإعادة التعريف أو الدمج، بل ثوابت إيمانية لا تقبل التفاوض.

ويأتي القرآن الكريم ليحسم هذه المسألة بوضوح، حين يؤكد أن هذا الوحي لا يمكن استبداله أو محاكاته أو إعادة إنتاجه في صيغ بشرية، مهما بدت براقة أو إنسانية. فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.

وهي آية لا تتحدث فقط عن إعجاز النص، بل عن استحالة استبدال الدين الحق بصيغ توافقية تُصاغ وفق المصالح السياسية.

في هذا الإطار، جاءت مواقف المؤسسات الدينية الكبرى، وعلى رأسها الأزهر الشريف، واضحة في رفض أي تصور يُفضي إلى دمج الأديان أو إنشاء دين جديد، مع التأكيد على أن الحوار لا يعني الذوبان، وأن التعايش لا يعني التفريط في ثوابت العقيدة. فاحترام الآخر لا يستلزم التخلي عن الذات، والقبول بالتنوع لا يعني إلغاء الفوارق الإيمانية.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في طرح الأفكار بحد ذاته، بل في غياب الوعي النقدي القادر على التمييز بين الشعارات والنتائج، وبين الخطاب الإنساني والمشروعات السياسية التي تُدار من خلفه. فكم من أفكار بدت في بدايتها مثالية، ثم تحولت مع الوقت إلى وقائع مفروضة يصعب الرجوع عنها.

وفي الختام، فإن مستقبل الشرق الأوسط لا يُكتب فقط على موائد السياسة، بل يُصاغ أولًا في العقول. وحين يُعاد تعريف الدين، يُعاد تعريف الصراع، وحين يُعاد تعريف الصراع، يُعاد رسم المصير. ومن هنا، فإن الوعي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، تفرض على كل من يهمه مستقبل هذه المنطقة أن يقرأ ما يُطرح بعين الفهم لا الانبهار، وبميزان العقل والإيمان معًا.

الدين الإبراهيمي والدولة الإبراهيمية: قراءة في مشروع إعادة تشكيل المنطقة والوعي

Leave A Reply

Your email address will not be published.