الحجاز… الأرض التي لا تُباع
بقلم: أحمد مختار
منذ أن عرف الإنسان الأرض، كانت لها رمزية تتجاوز التراب والحجر؛ إنها هوية، وعقيدة، وتاريخ يتجدد مع كل جيل. واليوم، حين يتحدث البعض عن طموح اليهود للوصول إلى أرض الحجاز، تثار أسئلة كثيرة: هل للحجاز مكان في كتبهم؟ هل يحملون له حقًا دينيًا أو وعدًا سماويًا؟ أم أن وراء الأمر قراءة جديدة للواقع السياسي أكثر منها للتراث المقدس؟
الحقيقة أن التاريخ لا يعرف لليهود حقًا دينيًا في أرض الحجاز. ففي نصوصهم القديمة، وعودهم محددة بأرض كنعان — أي فلسطين وما حولها من بلاد الشام. تلك هي “أرض الميعاد” التي آمنوا أنها وُعدت لإبراهيم ونسله. أما الحجاز، فلم يكن في يوم من الأيام جزءًا من هذه الخريطة الروحية. وجودهم في الجزيرة العربية كان وجودًا بشريًا لا إلهيًا؛ سكنوا خيبر ويثرب وتيماء طلبًا للأمان والتجارة، بعد أن مزقتهم الحروب ونفاهم الملوك. لم يأتوا إليها بدافع الوحي، بل بدافع الحياة.
لكن الحساسية التي تُحيط بالحجاز، لكونه مهد الرسالة الإسلامية وأرض الحرمين الشريفين، جعلت أي تحرك أو حديث عن اهتمام به يُقرأ بعيون القلق. فالحجاز ليس مجرد أرض، بل رمز لتوحيد الله في الأرض كلها. ومن هنا، يختلط في أذهان الناس بين الطموح السياسي الحديث عند بعض القوى، وبين الفكرة الدينية القديمة عن أرض الميعاد، فيتصور البعض أن اليهود يسعون لامتداد نفوذهم جنوبًا نحو الجزيرة، بينما الحقيقة أن ذلك لا يستند إلى نص ولا إلى عهد ديني معتبر.
اليهود، في تراثهم التوراتي، لا يملكون على الحجاز وصية ولا وعدًا. بل إن الرسالة الإلهية انتقلت من أرض الشام إليهم زمنًا، ثم نُزعت منهم لما خالفوا عهد الله، وانتقلت إلى أرض جديدة، إلى قلب الجزيرة العربية، حيث مكة المكرمة. هناك، في وادٍ غير ذي زرع، أرسل الله خاتم رسله ليعيد النور إلى الأرض كلها، من مركز لا سلطان لأحد عليه إلا الله.
أما اليوم، فمحاولات بعض الأصوات لإحياء فكرة “الامتداد الجغرافي” أو “الهيمنة الدينية” ليست إلا محاولة لتبرير نفوذ سياسي معاصر، لا علاقة له بنبوءة ولا بعهد إلهي. الحجاز أرض محفوظة، صانها الله برسالته، وخصها بأن تكون مهد التوحيد الأخير، فلا تطأها أطماع ولا تشتريها قوة.
إن الحديث عن الاستيلاء على الحجاز لا يخرج عن نطاق الوهم أو الدعاية. فالأرض التي نزل فيها القرآن، والتي حرّم فيها الله الشرك بعد النور، لا يمكن أن تكون سلعة في مزاد الأطماع. لقد خرج اليهود من الحجاز في صدر الإسلام لأنهم نقضوا العهد، ولن تعود إليهم أرض لم تكن لهم يومًا. فالحجاز لله وحده، وسيظل كذلك ما دامت السماوات والأرض.
