Nepras ELSalam News

اشترى دماغك

9

اشترى دماغك

بقلم: أحمد مختار

في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتصارع فيه العقول على أحقية الصواب، أصبحت النصيحة القديمة “اشترى دماغك” ليست مجرد جملة عابرة، بل قاعدة حياة تستحق أن تُكتب بماء الراحة. هي ليست دعوة إلى اللامبالاة كما يظن البعض، بل فلسفة عميقة في فن النجاة من الفوضى التي تسرق أعصابنا دون أن نشعر. أن تشتري دماغك يعني أن تدفع ثمن راحتك مقدماً، مقابل أن تحتفظ بعقلك صافياً، وقلبك مطمئناً، وطاقتك محفوظة بعيداً عن الضجيج.

 

كثيرون يعيشون وكأنهم في معركة دائمة، يحاولون إقناع الجميع بآرائهم، يردون على كل كلمة، ويفسرون كل نظرة، ويتتبعون كل ما يُقال عنهم. بينما الحكيم يبتسم، ويعرف متى يُسكت صوته ليحفظ سكينته، ومتى ينسحب من حوارٍ عقيم ليحفظ وقته. “اشترى دماغك” هي أن تفهم أن بعض المعارك لا تستحق خوضها، وبعض الجدالات لا تزيدك إلا استنزافاً، وبعض الأشخاص لا يستحقون سوى التجاهل الأنيق.

 

في كل مرة تحاول فيها الدفاع عن نفسك أمام من لا يريد أن يفهمك، تذكّر أنك تستهلك من طاقتك ما كان يمكن أن تبنيه به نفسك. لا أحد يستطيع أن يُرضي الجميع، ولا أحد وُلد ليقنع العالم بوجهة نظره. هناك من يستمع ليُجادل، وهناك من يُجادل ليُسقطك، وهناك من ينتظر فقط زلتك. فهل يستحق كل هذا أن تُرهق ذهنك؟ لا، بل اشترِ دماغك، واغلق الباب على الضوضاء.
أن تشتري دماغك يعني أن تضع لنفسك حدوداً نفسية لا يتجاوزها أحد. أن تعرف متى تقول “كفى”، ومتى تُنهي حواراً دون أن تشعر بالذنب. ليس كل صمت ضعفاً، وليس كل ردّ قوة. الصمت في مكانه حكمة، والرد في وقته شجاعة، أما الإصرار على التبرير فهو نوع من الاستنزاف البطيء للعقل.

 

الحياة أقصر من أن تُضيعها في محاولة إصلاح ما لا يُصلح، أو إقناع من لا يريد أن يقتنع، أو شرح نفسك لمن قرر أن يسيء الظن بك. راحة بالك أغلى من انتصارٍ في جدال. اشترِ دماغك من الناس، من الأخبار التي تثير القلق، من العلاقات التي تُنهكك، من النقاشات التي تُشعلك غضباً، ومن كل ما لا يُضيف لك سوى التعب.

 

هناك من يظن أن الهدوء ضعف، وأن التجاهل هزيمة، لكن الحقيقة أن الهدوء هو أعلى درجات القوة، وأن التجاهل أذكى طرق الانتصار. فالذي يملك نفسه ساعة الغضب هو سيد قراراته، والذي يعرف متى ينسحب بكرامته هو المنتصر الحقيقي. كلما مرّ عليك موقف يدفعك للغضب، تذكّر أنك تملك خياراً آخر: أن تشتري دماغك وتبتسم وتمضي.

 

الراحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة. والعقل الذي لا يجد سكينة، لا يستطيع أن يُبدع، ولا أن يعيش، ولا أن يحب بصدق. لذلك لا تفرّط في سلامك الداخلي من أجل جدالٍ على تافه، أو ردٍ على ناقد، أو دفاعٍ عن أمرٍ واضح لمن أراد أن يرى. عش ببساطة، واحتفظ بعقلك من التلوث، وذكّر نفسك دائماً أن أغلى صفقة في هذه الحياة هي أن تشتري دماغك وتعيش بسلام.

 

اشترى دماغك

Leave A Reply

Your email address will not be published.