Nepras ELSalam News

عشاء مع شبح يشبهني

90

عشاء مع شبح يشبهني

بقلم: أحمد مختار

لم أشعر بالجوع يوما كما شعرت في تلك الليلة
لم يكن جوعا للجسد بل جوعا من نوع آخر جوع النفس التي أنهكها الانتظار جوع الحنين إلى شيء لا اسم له جوع من جلس طويلا على مقعد الحياة الخلفي يراقب الآخرين وهم يختارون يغامرون يخسرون ثم يكملون
جلست على المائدة كان الطبق أمامي فارغا لكنه ثقيل كأنما وضع فيه تاريخ بأكمله لا طعام
أما الكرسي المقابل فلم يكن فارغا كما يجب كان ينتظر أو ربما كان يتذكر
لم يدق الباب ولم تطرق النافذة ولم يهتز مقبض الباب كما تفعل الأرواح في القصص بل خرج من داخلي
خرج من جيبي الداخلي كأنني حملته معي طوال الوقت كقصاصة ندمت أني لم أرسلها أو كرسالة لم أكتبها أبدا
ظهر أمامي يشبهني حد الغثيان لكن بخطوط أعمق كأن الزمن قد نحته على خشب عتيق ثم صقله بالندم
كان وجهه وجهي لكن مائلا قليلا إلى اليسار كما تميل الذكريات حين نحاول تذكرها بدقة كانت يداه تشبهان يدي لكن أظافره طويلة
نظر إلي وقال
لقد دعوتني دون أن تدري
لم أجادله في العمق كنت أعلم
أشعلت شمعة فصار له ظلان أحدهما يتجه نحوي والآخر يفر إلى زوايا الغرفة كما تفر الأحلام القديمة حين نحاول استرجاعها بالقوة
أحضرت له الماء فلم يشرب أحضرت له الخبز فلم يأكل
ثم فجأة مد يده إلى صدري بلا تردد ولا تدرج وأخرج شيئا غريبا أشبه بقطعة فحم محترقة
قال هذا كل ما تبقى من عشائك
نظرت إليها فوجدت فيها كل شيء كانت تحترق ببطء رائحتها ليست رائحة نار بل رائحة الكلمات التي لم أقلها الأحلام التي أكلها الصدأ العلاقات التي لم تكتمل الأبواب التي وقفت أمامها كثيرا ولم أطرقها
سألته ما الذي جاء بك الآن
ضحك ضحكته كانت مثل صوت باب يغلق في مكان بعيد كأن فرصة ما انتهت دون أن نعرف أنها كانت متاحة أصلا
قال لأنك أخيرا صمت بما يكفي لتسمعني
مددت يدي لألمسه فاختراقها كالدخان لكنه لم يكن دخانا بل كان زمنا
زمن ضائع بين سوف ولعل بين عندما أكون جاهزا وحين تسنح الظروف ذلك الزمن الرمادي الذي يبتلع الأرواح دون أن يصدر صوتا
هو لم يكن شبحا خارجيا كان كل لحظة صمت فيها بدلا من أن أتكلم كل باب أغلقته من داخلي كل مرة اخترت أن أبقى كما أنا لا لأني مقتنع بل لأني خائف
عند الفجر اختفى لم يترك أثرا على الأرض لكنه ترك الكرسي يهتز كأن أحدا ما كان جالسا عليه وقام للتو
نظرت إلى الطبق أمامي فوجدته مليئا هذه المرة ليس بالطعام بل بأثر أصابعي كأنني أنا من أكل وأنا من تركته
ومنذ تلك الليلة كلما جلست على مائدة وحدي أضع طبقا إضافيا أمامي لا لأطعم الشبح ولا لأدعوه من جديد بل لأتذكر أنني كنت يوما ذلك الشبح يجلس على طاولة أحدهم يأكل من صحنه دون أن يترك أثرا يشعل شمعة ثم يختفي وكل ما يتركه خلفه هو كرسي يهتز وقلب يرتجف.

عشاء مع شبح يشبهني

Leave A Reply

Your email address will not be published.