رحلة استعادة الميزان
بقلم: أحمد مختار
ليست الحياة كما تبدو في ظاهرها، ولا كما تُقاس بالأرقام أو تُحكى في الأخبار. هناك طبقة أعمق، خفية، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها الأكثر تأثيرًا في تشكيل تجاربنا اليومية. تلك الطبقة هي “المعنى”، والمعنى لا يولد من الخارج، بل يتشكل في الداخل؛ في النفس، في الإدراك، في الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء.
من هنا تبدأ الحكاية: القليل كثير إذا قنعت، والكثير قليل إذا طمعت. هذه ليست جملة بلاغية عابرة، بل قاعدة وجودية تحكم شعور الإنسان بالرضا أو النقص. فالقناعة ليست أن تمتلك أقل، بل أن ترى ما تملك كافيًا. إنها حالة ذهنية تعيد تعريف الوفرة، فلا يعود الغنى مرتبطًا بحجم ما تملك، بل بمدى شعورك بالاكتفاء. وعلى العكس، فإن الطمع لا يزيد الإنسان إلا فقرًا داخليًا؛ لأنه يخلق فجوة دائمة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فتظل النفس في حالة سعي لا تنتهي، دون أن تصل إلى راحة حقيقية.
ولعل أعجب ما في هذا الميزان أنه لا يقتصر على المادة، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية. فالبعيد قريب إذا أحببت. كم من شخص تفصله عنك آلاف الكيلومترات، لكنه يسكن تفاصيل يومك، وتشعر بحضوره كأنه بجوارك. وكم من شخص يجلس إلى جوارك، لكنه بعيد عنك بمسافات لا تُقاس بالمكان، بل بالفتور أو النفور. الحب لا يختصر المسافة فحسب، بل يعيد تعريفها. والبغض لا يبعد الأجساد، لكنه يقطع ما هو أعمق: الصلة.
ثم يأتي الزمن، هذا المفهوم الذي يبدو ثابتًا في ساعاته، لكنه متغير في أثره. العسر يسر إذا صبرت. ليست هذه دعوة إلى التجمّل بالصبر، بل فهم لطبيعة التجربة الإنسانية. فالصبر لا يغير الحدث، لكنه يغير موقعك منه. حين تصبر، تتحول من ضحية للظرف إلى متأمل فيه، ومن منساق خلف الألم إلى من يقرأه ويفهم رسالته. في هذه الحالة، يصبح العسر أقل قسوة، لأنه لم يعد بلا معنى. أما الجزع، فيفعل العكس تمامًا؛ يضخم الألم، ويجعل حتى اللحظات السهلة ثقيلة، فيتحول اليسر إلى عبء، لا لشيء إلا لأن النفس لم تعد قادرة على احتماله.
إن الفكرة الجوهرية التي تتسلل من بين هذه المعاني كلها هي أن الإنسان ليس مجرد متلقٍ للحياة، بل شريك في تشكيلها. “فالأمر كله فيك إذا فهمت”. هذه العبارة ليست دعوة للانسحاب من الواقع، ولا إنكارًا لتأثير الظروف، بل هي إعادة توزيع للأدوار. نعم، هناك ما لا نملكه ولا نتحكم فيه، لكن هناك مساحة واسعة تقع تحت سيطرتنا: كيف نفهم، كيف نفسر، كيف نشعر، وكيف نستجيب.
في هذه المساحة الصغيرة ظاهريًا، الكبيرة تأثيرًا، تتحدد جودة الحياة. فقد يمر شخصان بالتجربة نفسها، لكن أحدهما يخرج منها أكثر نضجًا، والآخر أكثر انكسارًا. الفرق ليس في الحدث، بل في القراءة. القراءة الداخلية هي التي تحدد إن كان ما مررت به درسًا أم جرحًا، خطوة للأمام أم تعثرًا في المكان.
ولا يعني هذا أن الأمر سهل أو يتم بقرار لحظي. إعادة تشكيل الداخل عملية طويلة، تتطلب وعيًا ومراجعة وصبرًا. تبدأ بأن تلاحظ نفسك: كيف ترى الأشياء؟ كيف تفسر مواقف الآخرين؟ كيف تتعامل مع النقص والخسارة؟ ثم تحاول، تدريجيًا، أن تعيد ضبط هذا الميزان. أن تمنح القليل قيمته، وأن تقلل من سطوة الكثرة، أن تفسح للحب مساحة أوسع، وأن تحاصر البغض قبل أن يتمدد، أن تتعامل مع الزمن كحليف لا كخصم.
وقد يظن البعض أن هذا نوع من المثالية أو الهروب من الواقع، لكنه في الحقيقة قمة الواقعية. لأنك إن لم تتحكم في نظرتك، تحكمت فيك نظرتك. وإن لم تصنع المعنى، صُنِع لك، وغالبًا لن يكون في صالحك. الإنسان الذي لا يملك تفسيرًا واعيًا لما يحدث له، يصبح عرضة لتفسيرات عشوائية تزيد من معاناته بدل أن تخففها.
وهنا يظهر الفرق بين من يعيش الحياة، ومن تُعاش به الحياة. الأول فاعل، حتى في ضعفه، لأنه يدرك أن له دورًا في تشكيل تجربته. أما الثاني، فيظل متقلبًا مع الظروف، يعلو حين تعلو، ويهبط حين تهبط، دون أن يجد لنفسه مركزًا ثابتًا.
إن الاتزان الحقيقي لا يأتي من استقرار الظروف، بل من استقرار الداخل. حين يصبح لديك ميزان واضح، تعرف به كيف تزن الأمور، لا تعود الحياة قادرة على تشتيتك بسهولة. قد تتألم، نعم، لكنك تفهم ألمك. قد تخسر، لكنك لا تفقد نفسك مع الخسارة. قد تنتظر، لكنك لا تنهار في الانتظار.
وفي نهاية المطاف، ليست الحكمة أن تغير العالم، فهذا أمر يتجاوز قدرتك، بل أن تغير زاويتك في رؤيته. فالعالم، كما هو، مليء بالتناقضات؛ فيه القليل والكثير، القرب والبعد، العسر واليسر. لكن المعنى الذي تمنحه لكل ذلك هو ما يصنع تجربتك الخاصة.
وحين تدرك ذلك بعمق، لن تعود تسأل: ماذا يحدث لي؟ بل ستسأل: كيف أرى ما يحدث؟
وهنا، فقط، تبدأ الرحلة الحقيقية… رحلة استعادة الميزان.

